
قال تقرير متخصص إن الطلب على منتجات الحديد المدرفلة في موريتانيا سيستقر عند نحو 100 ألف طن خلال عام 2026، في وقت تشهد فيه القطاعات الرئيسية المستهلكة للحديد حالة من الركود النسبي، بينما قد تصبح مشاريع الغاز والطاقة المتجددة محركات جديدة للسوق خلال السنوات المقبلة.
وأوضح التقرير، الذي نشره مركز «GMK» المتخصص في تحليلات صناعة التعدين والصلب، اليوم الاثنين، أن موريتانيا تعتمد بنسبة 100% على استيراد منتجات الحديد المدرفلة، لعدم وجود إنتاج محلي، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذه الواردات يصل عبر ميناءي نواكشوط ونواذيبو.
وأضاف أن تركيبة واردات الحديد تعكس احتياجات الاقتصاد الموريتاني، مع تركّز الطلب في قطاعات البناء السكني والمدني والتعدين، فيما تمثل المنتجات الأساسية من الحديد المدرفل الجزء الأكبر من الكميات المستوردة.
وبحسب التقرير، تستحوذ الأنابيب والقضبان عالية الجودة المستخدمة في قطاعات استخراج الغاز والتعدين على حصة مهمة من القيمة المالية للواردات.
وتتصدر الصين موردي الحديد إلى موريتانيا، بحصة تقدر بنحو 35% من إجمالي الواردات، مستفيدة من الأسعار التنافسية ومرونة التوريد، بينما تبلغ حصة الاتحاد الأوروبي نحو 35% أيضاً، مع حضور رئيسي لفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، مستفيداً من العلاقات الاقتصادية التاريخية مع موريتانيا.
كما تلبي تركيا والمغرب والسنغال جانباً من الطلب الفوري على الحديد الإنشائي وشبكات التسليح والمنتجات المدرفلة الخفيفة.
البناء أكبر مستهلك للحديد
وأشار التقرير إلى أن قطاع البناء يمثل المستهلك الرئيسي لمنتجات الحديد في موريتانيا، ويأتي البناء السكني في مقدمة مكونات هذا القطاع.
وأوضح أن الجزء الأكبر من التوسع في المخزون السكني، بما في ذلك في العاصمة نواكشوط، يتم من خلال مشاريع بناء فردية متفرقة وغير منظمة، في ظل محدودية قدرة الدولة على تمويل برامج واسعة لبناء مدن جديدة ومجمعات سكنية.
ويقدر خبراء، وفق التقرير، مساهمة قطاع البناء في الناتج المحلي الإجمالي لموريتانيا بما بين 5 و7%.
ويشكل بناء البنية التحتية مصدراً آخر للطلب على منتجات الحديد الثقيلة، بما في ذلك القضبان والصفائح والأنابيب والهياكل المعدنية، ومن أبرز مشاريع البنية التحتية التي شهدتها البلاد خلال الفترة 2021-2025 تطوير ميناء نواذيبو.
وأصبح الميناء وفق التقرير قادراً على استقبال سفن شحن سائبة تصل حمولتها الساكنة إلى 230 ألف طن، مقابل 150 ألف طن سابقاً، فيما تولت المجموعة الدولية «Jan De Nul» تنفيذ المشروع.
وفي ميناء نواكشوط، توسعت كذلك قدرات استقبال سفن الحاويات الكبيرة وناقلات النفط، بعد تكريك القناة والحوض المائي إلى عمق 15.7 متراً.
وبلغت تكلفة المشروع نحو 280 مليون يورو، ونفذه ائتلاف يضم «Meridiam» و«Arise».
غياب مشاريع طرق وسكك جديدة
ورغم هذه الاستثمارات، لا توجد في موريتانيا حالياً مشاريع واسعة لإنشاء طرق سريعة أو خطوط سكك حديدية جديدة، وفق التقرير.
وأشار إلى أن مشروع طريق أطار–شنقيط توقف عند مرحلة المناقصة، بينما تتركز الأعمال الجارية على إصلاح وتقوية الطرق القائمة التي تربط المناطق الداخلية بالساحل.
ويمثل تطوير البنية التحتية للمياه أحد مصادر الطلب على الأنابيب الحديدية، مع إنشاء شبكات مياه محلية ومتوسطة لتزويد المدن التعدينية والمدن الساحلية بالمياه، خصوصاً في مناطق نواكشوط ونواذيبو.
خط ازويرات–نواذيبو يحافظ على الطلب
ويشكل خط السكة الحديدية الرابط بين ازويرات ونواذيبو أحد المصادر المستقرة للطلب على الحديد في موريتانيا.
ويمتد الخط لمسافة نحو 704 كيلومترات، ويربط منشآت استخراج خام الحديد بمرافق التصدير في ميناء نواذيبو.
ويرى التقرير أن قدرة الخط تمثل أحد القيود أمام توسع عمليات التعدين، إلا أن إنشاء خط موازٍ سيكون مكلفاً بدرجة تفوق إمكانات الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «SNIM» والحكومة الموريتانية.
وبدلاً من ذلك، يجري إنفاق أموال كبيرة على تحديث الخط القائم، خصوصاً من خلال زيادة نقاط تجاوز القطارات، بما يسمح بتسيير قطارات أثقل دون الحاجة إلى إنشاء خط ثان.
وتتكون قطارات نقل خام الحديد في موريتانيا من ثلاث إلى أربع قاطرات ديزل قوية، وما بين 200 و300 عربة، وقد يصل طول القطار الواحد إلى 2.5 أو 3 كيلومترات.
ويؤدي الوزن الكبير للقطارات، إلى جانب الظروف المناخية القاسية في الصحراء، إلى تسارع تآكل مكونات الخط، ما يجعل أعمال الاستبدال والصيانة شبه مستمرة.
وتنظم الشركة الوطنية للصناعة والمناجم بصورة دورية مناقصات لشراء القضبان ومستلزمات السكك الحديدية، مع أفضلية للمنتجات الأوروبية، ويقدر التقرير حجم هذه المشتريات بما بين 10 و15 ألف طن سنوياً.
مشروع الغاز المسال رفع الطلب خلال السنوات الماضية
كان مشروع الغاز الطبيعي المسال «GTA» أحد أهم محركات الطلب على الحديد في موريتانيا خلال الفترة بين 2021 و2024.
ويشمل المشروع إنتاج الغاز البحري على الحدود بين موريتانيا والسنغال، وتركيب بنية تحتية للأنابيب على عمق يقارب 2.8 كيلومتر، إضافة إلى إنشاء وحدة عائمة للإنتاج والتخزين والتفريغ ومنشأة عائمة لتسييل الغاز.
وتطلب تنفيذ هذه المنشآت كميات كبيرة من الأنابيب والخزانات والهياكل الحديدية.
وبحسب التقرير، بلغ مشروع «GTA» في عام 2025 طاقته المستهدفة البالغة 2.7 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
ويشغل المشروع تحالف يضم شركة «BP» البريطانية و«Kosmos Energy» إلى جانب الشركتين الوطنيتين الموريتانية والسنغالية «SMH» و«Petrosen».
«Banda & Tevet» محرك جديد للطلب
ويتوقع التقرير أن يصبح الانتقال إلى مرحلة تنفيذ مشروع «Banda & Tevet» محركاً جديداً للطلب على الحديد في موريتانيا.
ويستهدف المشروع تطوير حقول الغاز البحرية التي تحمل الاسم نفسه، وتقع على بعد نحو 55 كيلومتراً من نواكشوط، وتبلغ قيمته الإجمالية نحو 1.4 مليار دولار.
ويخصص نحو 400 مليون دولار من قيمة المشروع لتطوير البنية التحتية المرافقة، بما في ذلك خطوط الأنابيب وخزانات التخزين وغيرها من المنشآت، ما يعني الحاجة إلى ما لا يقل عن 40 ألف طن من منتجات الحديد المدرفلة عالية الجودة، وفق التقرير.
ويضم ائتلاف المستثمرين المنفذ للمشروع شركة «Go Gas Holding» المصرية الإماراتية والشركة الموريتانية «SMH».
وفي مارس 2026، وقعت «Go Gas Holding» اتفاقاً مع مجموعة «MADKOUR Holding» المصرية لبناء محطة حرارية لتوليد الكهرباء بقدرة 365 ميغاواط في موريتانيا.
ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى من المحطة بقدرة 200 ميغاواط في نهاية عام 2028، على أن تعمل بالغاز المنتج من حقل «Banda».
طاقة الرياح مرشحة لتغيير السوق
ويرى التقرير أن تطوير طاقة الرياح يمكن أن يصبح المحرك الأقوى والأطول أجلاً للطلب على الحديد في موريتانيا.
وتتمتع البلاد برياح قوية ومستقرة على امتداد ساحلها الأطلسي الصحراوي، ما يجعلها من المناطق الواعدة عالمياً في مجال الطاقة الريحية.
لكن القدرة الحالية لمزارع الرياح في موريتانيا لا تزال محدودة، إذ تبلغ القدرة الإجمالية لمزرعتي الرياح القائمتين نحو 132.4 ميغاواط.
ويتمثل العائق الرئيسي في ضعف شبكة الكهرباء الوطنية، التي لا تزال غير قادرة تقنياً على استيعاب كميات كبيرة من الكهرباء المتغيرة الناتجة عن الرياح.
وأشار التقرير إلى أن الشبكة الوطنية، التي تديرها الشركة الموريتانية للكهرباء «SOMELEC»، تفتقر إلى مستوى الأتمتة اللازم لتحقيق التوازن بين الأحمال، محذراً من أن ربط مزرعة رياح كبيرة إضافية بالشبكة في وضعها الحالي قد يهدد باستقرارها.
ولهذا السبب، تتجه السلطات إلى الموافقة على مشاريع مزارع الرياح الجديدة بالتزامن مع أنظمة صناعية لتخزين الطاقة.
مشروع يجمع الرياح والشمس والتخزين
وفي نهاية 2025، وقعت الحكومة الموريتانية عقداً مع ائتلاف «Istithmar West Africa» لتنفيذ مشروع يجمع بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء.
ويتضمن المشروع إنشاء مزرعة رياح بقدرة 60 ميغاواط، ومحطة للطاقة الشمسية بقدرة 160 ميغاواط، إضافة إلى نظام لتخزين الطاقة بسعة 370 ميغاواط/ساعة.
وينص الاتفاق على عدم تشغيل مزرعة الرياح قبل تسليم وتركيب نظام البطاريات، بينما يتوقع أن يدخل المجمع حيز التشغيل بحلول نهاية عام 2026.
12 ألف طن لمشروع خط نواكشوط–كيفه
ويبرز مشروع خط الكهرباء بجهد 225 كيلوفولت بين نواكشوط وكيفه باعتباره أحد أبرز مصادر الطلب المستقبلي على الحديد.
ومن المقرر ربط مشاريع الطاقة الشمسية والرياح الجديدة بالخط، بما يسمح للشبكة بإعادة توزيع الكهرباء والتعامل بصورة أفضل مع فترات الذروة في الإنتاج.
وكانت الشركة الموريتانية للكهرباء قد أعلنت في مطلع أغسطس الانتهاء من مد أول 184 كيلومتراً من الخط، الذي يبلغ طوله الإجمالي 600 كيلومتر.
ويتطلب إنشاء الخط استخدام مقاطع مجلفنة وصفائح فولاذية لأبراج الكهرباء، إضافة إلى حديد التسليح والهياكل المعدنية الخاصة بمحطات التحويل.
ويقدر التقرير إجمالي احتياجات المشروع بنحو 12 ألف طن من منتجات الحديد الجاهزة خلال فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام.
ويرى التقرير أن هذا الحجم يمثل كمية كبيرة بالنسبة إلى السوق الموريتانية، وأن المشروع يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لتوسع قطاع طاقة الرياح، وبالتالي زيادة الطلب على منتجات الحديد.
خط الكهرباء قد يمتد إلى مالي
وتوجد خطط مستقبلية لتمديد خط الكهرباء باتجاه الحدود مع مالي، ليصل طوله النهائي إلى نحو 1,373 كيلومتراً.
وتبلغ التكلفة الإجمالية المقدرة للمشروع نحو 888 مليون دولار، مع مساهمات تمويلية من البنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار والبنك الإسلامي للتنمية.
ويربط التقرير بين المشروع وأزمة الكهرباء التي تعاني منها مالي، مشيراً إلى أن البلاد تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، بينما يمكن لموريتانيا، مع توسع إنتاجها من الطاقة الشمسية والرياح، أن تحقق فائضاً في إنتاج الكهرباء.
وقد يتيح تصدير هذا الفائض إلى مالي ودول أخرى في منطقة الساحل تعزيز العائد الاقتصادي لمشاريع الطاقة المتجددة، وإزالة أحد القيود الرئيسية أمام توسع إنتاج الكهرباء من الرياح في موريتانيا.
ثلاثة مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة
وتعمل موريتانيا على تطوير ثلاثة مشاريع ضخمة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفق التقرير.
ويأتي في مقدمتها مشروع «AMAN»، الذي يتضمن إنشاء مزرعة رياح بقدرة 18 غيغاواط في شمال البلاد، إلى جانب منشآت للطاقة الشمسية.
وتقدر قيمة المشروع بنحو 40 مليار دولار، بينما تتولى شركة «CWP Global» تشغيله، ويعمل المستثمرون على استكمال تفاصيل الاتفاق مع الحكومة.
أما مشروع «Nour»، فيتضمن إنشاء مجمع للطاقة الشمسية والرياح بقدرة 10 غيغاواط، وقد اكتملت الدراسات الأولية للجدوى، بينما تتولى شركة «Chariot Energy» تشغيل المشروع.
ويستهدف مشروع «MGA» إنشاء محطة للطاقة الشمسية والرياح بقدرة 550 ميغاواط بالقرب من ميناء نواكشوط، باستثمارات تقدر بنحو 1.5 مليار دولار.
ويشغل المشروع ائتلاف مشترك بين الشركة البولندية «Hynfra» والشركة الموريتانية «Maurev Sarl»، فيما يتوقع تشغيل المرحلة الأولى منه عام 2030.
62 مليون دولار قيمة سوق الحديد في 2026
ورغم هذه المشاريع، لا يتوقع التقرير زيادة كبيرة في الكميات الفعلية لمبيعات الحديد في موريتانيا خلال عام 2026.
ويقدر الطلب على منتجات الحديد الجاهزة بنحو 100 ألف طن خلال العام من حيث الحجم، بينما يتوقع أن تصل القيمة المالية للسوق إلى نحو 62 مليون دولار، مدفوعة بارتفاع أسعار منتجات الأنابيب والقضبان المستخدمة خصوصاً في قطاعات الغاز والتعدين.
ويخلص التقرير إلى أن سوق الحديد الموريتانية تمر بمرحلة انتقالية، إذ لا يزال الطلب يعتمد بصورة أساسية على البناء والتعدين وصيانة خط السكة الحديدية، لكن مشاريع الغاز وشبكات الكهرباء والطاقة المتجددة تستعد لتوفير محركات جديدة للنمو.
وبحسب التقرير، فإن التحول الأبرز لا يتمثل بالضرورة في ارتفاع استهلاك الحديد خلال 2026، وإنما في تغير طبيعة الطلب نفسه، مع انتقال جزء متزايد من السوق نحو مشاريع الغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات الكهرباء والبنية التحتية المرتبطة بها.
.gif)


