
أطلقت لجنة الإشراف على مسار اختيار مورد المحروقات، مطلع سبتمبر الجاري، مناقصة دولية جديدة لتموين السوق الوطنية بالبنزين والكيروسين والغازوال والفيول، لمدة ستة أشهر تبدأ في الثالث من ديسمبر المقبل، ضمن صيغة تحمل تغييرات تتجاوز اختيار المورد إلى طريقة تنظيم التوريد والنقل والتخزين وإدارة المخزون الاستراتيجي.
وتكشف وثيقة حول التحسينات المدخلة على المناقصة، اطلعت عليها “الصحراء”، أن التعديلات تستهدف توسيع دائرة المنافسة أمام الموردين الدوليين، وتخفيف بعض القيود المالية والتشغيلية التي كانت مرتبطة بالنظام السابق، بالتوازي مع تعزيز رقابة الدولة على الاحتياطي الاستراتيجي للمحروقات.
وحدد إعلان المناقصة 15 أكتوبر المقبل آخر أجل لتقديم العروض، على أن يبدأ العقد في 3 ديسمبر 2026، فيما اشترط في الشركات المتنافسة خبرة مثبتة في توريد المحروقات ومتوسط رقم أعمال لا يقل عن أربعة مليارات دولار سنويا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وحدد ضمان المشاركة بمليون دولار. كما أتاح للموردين التنافس وفق نظام نقل الملكية في الخزان ITT أو التسليم في الموقع DAP، أو تقديم عرض لكل منهما.
عقدان بدل صفقة واحدة
أبرز ما تغير هو فصل توريد المنتجات البترولية عن النقل البحري الساحلي، بعد أن كان الجمع بين الوظيفتين يضع شروطا إضافية أمام الشركات الراغبة في المنافسة.
وتقول وثيقة التحسينات إن دمج النشاطين كان يمثل عائقا أمام بعض كبار الموردين الدوليين الذين يتركز نشاطهم على تجارة وتوريد المنتجات البترولية، من دون أن يمتلكوا بالضرورة البنية التنظيمية اللازمة للنقل الساحلي، معتبرة أن الفصل بينهما سيتيح استقطاب عدد أكبر من الشركات والتنافس على شروط أفضل في السعر والجودة وأمان التسليم.
وقد انعكس هذا التغيير مباشرة على المناقصات المعلنة؛ فبالتوازي مع مناقصة المورد، أطلقت لجنة مختصة مناقصة أخرى لاختيار ناقل بحري يتولى نقل المحروقات السائلة من نواذيبو إلى المنطقة الجنوبية عبر ميناء نواكشوط، للمدة نفسها التي تبدأ في 3 ديسمبر، وحدد الخامس من أكتوبر آخر أجل لتقديم عروضها.
وبذلك أصبح بإمكان شركة متخصصة في تجارة النفط المنافسة على عقد التوريد من دون أن تكون مسؤولة بالضرورة عن النقل الساحلي، فيما يذهب العقد الثاني إلى شركة تمتلك السفن والخبرة الفنية المطلوبة لهذا النشاط.
باب أوسع للموردين
ويمتد تغيير قواعد المنافسة إلى طريقة تسليم المحروقات نفسها، حيث أتاحت المناقصة الجديدة خيارين أمام الموردين: النظام القائم على نقل الملكية في الخزان ITT، ونظام التسليم في الموقع DAP.
وتوضح وثيقة التحسينات أن النظام المعمول به كان يربط المورد بالاحتفاظ بمخزون مادي داخل البلاد، بما يرتبه ذلك من أعباء مالية وتشغيلية يمكن أن تحد من رغبة بعض الشركات الدولية في دخول المنافسة.
أما نظام DAP، فتنظر إليه الوثيقة باعتباره وسيلة للفصل بصورة أكبر بين مهمة المورد، المتمثلة في توفير المنتج وإيصاله، وبين وظيفة التخزين داخل البلاد، بما يقلل القيود أمام الموردين ويوسع الخيارات المتاحة للحصول على المحروقات من الأسواق الدولية.
وفي الاتجاه نفسه، تتضمن التحسينات توحيد مواصفات وجودة المنتجات المستوردة وفق المعايير الدولية، مع إعطاء الأولوية للمنتجات القياسية المتوفرة على نطاق واسع في الأسواق، وهو ما يفترض أن يتيح التعامل مع قاعدة أكبر من الموردين ويجعل سلاسل الإمداد أكثر مرونة.
المخزون بيد الدولة
التغيير الأكثر ارتباطا بالأمن الطاقوي يتعلق بالمخزون؛ إذ تتجه الصيغة الجديدة، وفق الوثيقة، إلى تحويل ما يعرف بالمخزون الأمني تدريجيا إلى مخزون وطني يخضع لمسؤولية ورقابة السلطات المختصة، بدلا من بقائه مرتبطا بالمورد.
وتقوم الفكرة على الفصل بين وظيفتين: توريد المحروقات باعتباره نشاطا تجاريا يمكن إسناده إلى شركة دولية بموجب عقد تنافسي، والاحتفاظ باحتياطي استراتيجي باعتباره جزءا من مسؤولية الدولة عن الأمن الطاقوي.
وتعتبر الوثيقة أن السيطرة الوطنية على المخزون تمنح الدولة هامشا أكبر لمواجهة اضطرابات الأسواق الدولية أو الصعوبات اللوجستية والأزمات الجيوسياسية التي قد تؤثر على تدفقات الوقود، بدلا من ربط هذا الاحتياطي بمصالح والتزامات المورد التجاري.
ويتزامن هذا التحول مع توسع قدرات التخزين في نواكشوط. وكانت اللجنة الوطنية للمحروقات قد أعلنت أن منشآت التخزين في العاصمة تبلغ نحو 60 ألف طن، مع مشروعين إضافيين بسعتي 23 ألفا و100 ألف طن، بما يرفع القدرة الإجمالية بعد اكتمالهما إلى نحو 183 ألف طن.
تغيير عن مناقصة 2023
وتظهر المقارنة مع المناقصة السابقة حجم التغيير في المقاربة. ففي سبتمبر 2023 أطلقت لجنة الإشراف مناقصة جمعت بين توريد المحروقات للسوق وإنشاء منشآت تخزين جديدة بسعة 100 ألف متر مكعب في نواكشوط، وحددت مدة العقد بسنتين ابتداء من 3 ديسمبر 2023.
أما المناقصة الحالية فتفصل بصورة أكبر بين الوظائف: عقد لتوريد المحروقات، وعقد مستقل للنقل الساحلي، وتوجه نحو تولي الدولة مسؤولية المخزون، فيما أصبحت مدة التوريد ستة أشهر فقط.
وهو انتقال من صيغة كان المورد يتحمل فيها مجموعة من الالتزامات المرتبطة بالتوريد والتخزين والخدمات المصاحبة، إلى صيغة تسعى إلى جعل التوريد نفسه أكثر استقلالا عن بقية حلقات المنظومة.
ستة أشهر للاختبار
ولا تنظر وثيقة التحسينات إلى تقليص مدة العقد من عامين في المناقصة السابقة إلى ستة أشهر في المناقصة الجديدة باعتباره تغييرا شكليا، بل تربطه بالحاجة إلى الاحتفاظ بقدر أكبر من المرونة في مرحلة تتسم بتقلب أسعار المنتجات ومسارات الشحن وتوفر الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية.
وتضيف الوثيقة أن الفترة القصيرة ستسمح كذلك بالاستفادة من سعات التخزين الجديدة في نواكشوط وتشغيلها واختبارها في ظروف فعلية، قبل تثبيت ترتيبات أطول أمدا.
وبهذا المعنى، تبدو المناقصة التي تبدأ عقودها في ديسمبر المقبل اختبارا لصيغة جديدة في إدارة تموين السوق: توسيع المنافسة على التوريد، وفصله عن النقل الساحلي، وتخفيف ارتباط المورد بالتخزين، مقابل دور أكبر للدولة في إدارة الاحتياطي الاستراتيجي.
وتلخص وثيقة التحسينات الرهان في الجمع بين أمن الإمدادات والتحكم في التكاليف والانفتاح على المنافسة الدولية وتعزيز السيادة الوطنية في مجال الطاقة، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتعامل مع التحولات السريعة في الأسواق الدولي.
الصحراء
.gif)


