
فيما ربطت قراءات قرار تأجيل الزيارة التي كانت مبرمجة للرئيس عبد المجيد تبون إلى مدريد هذا الشهر، بدعوة رئيس الوزراء الإسباني يبدرو سانشيز لانتخابات مبكرة، لم يستبعد السفير الجزائري السابق عمار بلاني إمكانية أن يكون القرار له علاقة برغبة السلطات الإسبانية في تفادي مواجهة جديدة مع الرباط وحتى باريس التي تنظر، حسبه، بعين الريبة للتقارب الجزائري الاسباني.
وفي تدوينة له، قال بلاني الذي شغل منصب الأمين العام للخارجية في فترة تأزم العلاقات مع مدريد، إن تأجيل اجتماع القمة الحكومية بين الجزائر وإسبانيا، المقرر يومي 20 و21 أكتوبر، جاء بعد أيام قليلة من الإعلان عن زيارة ملك إسبانيا وملكته إلى سبتة ومليلية، معتبرا أن هذا التزامن “يثير التساؤلات”.
وأوضح الدبلوماسي الجزائري السابق أن استقبال الرئيس الجزائري في مدريد بعد أيام قليلة من الزيارة الملكية إلى سبتة ومليلية كان سيضع إسبانيا أمام “ملفين شديدي الحساسية”، مشيرا إلى أن كليهما “مؤلم للغاية بالنسبة إلى الرباط”.
وتأتي تصريحات بلاني في سياق تعليقه على ما أوردته صحيفة “إل باييس” بشأن زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية، والتي قالت إنها ستتم بموافقة العاهل المغربي محمد السادس والمخزن. وعلق بلاني على ذلك بالقول: “يصعب تصديق ذلك!”، مضيفا أنه إذا تأكدت هذه المعلومة، فإن مسألة السيادة الإسبانية “ستطرح نفسها بحدة بالغة”.
وتساءل: “أن يُطلب موافقة المغرب حتى يتمكن ملك إسبانيا من التوجه إلى… أرض إسبانية!”، قبل أن يقول إن قدرة الرباط على الإضرار بالمصالح الإسبانية “تتجاوز كل ما كان يمكن تصوره”.
وأشار إلى أن “إل باييس” تحدثت أيضا عن الخشية من رد فعل مغربي بعد الزيارة، موضحا، نقلا عن مصادر عسكرية أوردتها الصحيفة، أن الرباط قد تعتبر الزيارة “استفزازًا”، وقد تنظر في اتخاذ إجراءات انتقامية في مجالات مختلفة.
ورأى بلاني أن هذه المخاوف “قد تفسر جزئيًا الاحتياطات التي اتخذتها مدريد بشأن الزيارة الملكية”، قبل أن يطرح احتمالا آخر، قائلا: “إلا إذا كان الأمر يتعلق بمناورة دبلوماسية تهدف إلى حفظ ماء وجه شريك سريع الغضب ومولع بالمواجهة”.
وأضاف أنه “حتى في هذه الحالة، فإن المساومة على السيادة الوطنية ستكون لها كلفة باهظة. عاجلًا أم آجلًا”.
وذكّر بلاني بأن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس كان قد أكد قبل أيام أن ملك وملكة إسبانيا “لا يحتاجان إلى طلب الإذن” لزيارة مدن إسبانية.
وفي هذا السياق، توقف الدبلوماسي الجزائري السابق عند تأجيل القمة الجزائرية الإسبانية، قائلا إن “التقارب مع الجزائر وقع أيضًا ضحية للجدول الزمني”، وذلك بعد أيام قليلة فقط من الإعلان عن زيارة الملك والملكة إلى سبتة ومليلية.
وفي عامل آخر، قال بلاني إنه من الصعب عدم التوقف عند التزامن بين زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدريد والإعلان عن تأجيل القمة الجزائرية الإسبانية، الذي نقلته مصادر دبلوماسية.
وأضاف أن الرئيس الفرنسي “لا يزال ينظر بعين الريبة إلى تعزيز الجزائر علاقاتها مع إسبانيا وإيطاليا وألمانيا”، في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية والتجارية الفرنسية الجزائرية “تراجعًا حادًا”.
وكانت صحيفة “أوبجكتيف” قد كشفت عن تأجيل الحكومة الإسبانية، إلى أجل غير مسمى، اجتماع القمة الحكومية مع الجزائر، المقرر في مدريد يومي 20 و21 أكتوبر، مشيرة إلى أن القرار نُقل إلى السلطات الجزائرية “بشكل مفاجئ” في وقت كانت فيه التحضيرات الرسمية جارية.
وقالت الصحيفة، نقلا عن مصادر دبلوماسية، إن قرار التأجيل وضع العلاقات بين البلدين أمام أزمة دبلوماسية، في وقت حساس بالنسبة إلى إسبانيا، وربطت المصادر بين التأجيل واحتمال رد فعل مغربي على زيارة الملك والملكة إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر.
ووفق المصدر ذاته، قد تلجأ الرباط إلى سحب سفيرتها في مدريد كريمة بنيعيش، على غرار ما حدث سنة 2007 عندما قام الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا بأول زيارة رسمية إلى المدينتين، وهو ما قد يضع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البلدين الجارين في موقف متوتر في الوقت نفسه.
وأشارت الصحيفة إلى أن المصادر التي تحدثت إليها ترى أن التحضير للزيارة الملكية إلى سبتة ومليلية، التي تأتي بعد أزمة الهجرة، كان له وزن في قرار تأجيل القمة مع الجزائر، باعتبار أن انعقادها في 20 أكتوبر كان سيأتي بعد الزيارة الملكية بأيام قليلة، وهو ما قد يشكل “إزعاجا مزدوجا” للمغرب خلال فترة وجيزة.
وجاء قرار التأجيل، حسب “أوبجكتيف”، في وقت كان فيه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قد التقى نظيره الجزائري أحمد عطاف في نيويورك، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمواصلة تعميق العلاقات الثنائية والتحضير لاجتماع القمة.
وكان ألباريس قد قال عقب اللقاء إن مدريد تواصل “تعزيز العلاقات الجيدة مع بلد جار وشريك”، معتبرا أن “استقرار وازدهار البحر المتوسط التزام مشترك”.
وكان سانشيز زار الجزائر في 20 يوليو الماضي، حيث التقى الرئيس تبون، واتفق البلدان على عقد القمة في أكتوبر ووضع حد للخلافات التي طبعت العلاقات خلال السنوات الأخيرة، إذ يعود آخر اجتماع رفيع المستوى بين البلدين عقد في أبريل 2018 في الجزائر، عندما كان ماريانو راخوي رئيسا للحكومة الإسبانية.
وبحسب الصحيفة، اتفق سانشيز خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر على زيادة واردات الغاز الجزائري، في خطوة عكست استعادة قنوات التواصل الثنائية بشكل كامل بعد الأزمة التي اندلعت بسبب الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية.
غير أن “أوبجكتيف” أشارت أيضا إلى عامل آخر قالت إن له أثرا عميقا في الجزائر، يتعلق بقرار قضائي إسباني صدر في بداية سبتمبر، تم بموجبه الإفراج المؤقت عن رجل الأعمال والمعارض الجزائري أيوب عيسيو، بعد أن كانت السلطات الجزائرية قد طلبت تسليمه.
وأوضحت الصحيفة أن المحكمة الوطنية الإسبانية أفرجت عن عيسيو بعد أن غيّرت النيابة موقفها من استمرار حبسه، حيث غادر سجن بريانز في 4 سبتمبر بعد 41 يوما من الاحتجاز، مع إخضاعه لإجراءات احترازية، بينها سحب جواز سفره ومنعه من مغادرة إسبانيا وإلزامه بالإبلاغ عن أي تغيير في عنوانه والمثول أمام المحكمة كل أسبوعين.
وأكدت “أوبجكتيف” أن الإفراج عنه لا يعني انتهاء إجراءات التسليم، إذ لا تزال المحكمة الوطنية مطالبة باتخاذ قرار بشأن قبول أو رفض طلب الجزائر، بينما تواصل النيابة دراسة الملف. وكان عيسيو قد قال للصحيفة إنه يخشى أن يؤدي الإفراج عنه إلى أزمة دبلوماسية جديدة بين مدريد والجزائر، محذرا من أن تبعات القرار “لا يمكن التنبؤ بها”.
ولم يصدر لحد الآن رد فعل رسمي من السلطات الجزائرية حول قرار تأجيل زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى مدريد، كما لم يتطرق الرئيس الجزائري في لقائه الأخير مع الصحافة المحلية إلى القرار الإسباني أو إلى مستقبل العلاقات بين البلدين. ولا يُعلم في الوقت الراهن كيف ستكون تداعيات الخطوة الإسبانية على العلاقات الجزائرية الإسبانية، التي استعادت عافيتها خلال الأشهر الأخيرة بعد أزمة طاحنة بدأت في ربيع 2022، على خلفية قرار الحكومة الإسبانية دعم خطة الحكم الذاتي المغربية كأساس لتسوية النزاع في الصحراء الغربية، وهو ما اعتبرته الجزائر تنصلا من القوة الاستعمارية السابقة في الإقليم من واجباتها، وأدى إلى سحب السفير الجزائري من مدريد وتراجع المبادلات التجارية بين البلدين إلى أدنى مستوياتها.
.gif)


