
الصحراء الغربية، وامتحان حسن الجوار، ورسالة نواكشوط التي لا يجوز تأويلها على أنها ضعف
ليست السيادة منحة من جار، ولا الحدود خطوطا قابلة للمحو والإثبات وفق أهواء اللحظة وموازين القوة، ولا حسن الجوار صكا مفتوحا يبيح لطرف أن يتوسع في حساباته الاستراتيجية بينما يطالب الطرف الآخر بالصمت، أو أن يفرض رؤيته للمنطقة ثم يستغرب حين يطالب جاره بضمانات واضحة تحفظ مصالحه وحقوقه.
إن موريتانيا، بتاريخها وجغرافيتها وعمقها الإفريقي والعربي، ليست فراغا بين قوتين، ولا ممرا جغرافيا بلا إرادة، ولا مساحة مستباحة في حسابات الموانئ والممرات التجارية والنفوذ الإقليمي. إنها دولة ذات سيادة، لها مصالحها العليا، وحساباتها الاستراتيجية، وحقها الكامل في أن تسأل عن مستقبل حدودها ومحيطها وأمنها الاقتصادي، من غير أن تستأذن أحدا في ممارسة هذا الحق.
ومن هنا ينبغي أن نقرأ التطورات المتصلة بملف الصحراء الغربية، وما يثيره من أسئلة بشأن مستقبل الحدود والعلاقات الموريتانية المغربية، بعيدا عن التهويل المجاني، ولكن أيضا بعيدا عن السذاجة السياسية التي تتصور أن المصالح الكبرى تتحرك دائما ببراءة، وأن التنافس على الموانئ والثروات والممرات التجارية لا يخفي وراءه أحيانا صراعا صامتا على النفوذ وموازين القوة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت موريتانيا تريد افتعال أزمة مع المغرب، بل ما إذا كان الجميع مستعدا لاحترام حق موريتانيا في ألا تستيقظ غدا على ترتيبات إقليمية تمس مصالحها الحيوية، بعد أن تكون الوقائع قد رسمت بعيدا عنها، ثم يقال لها إن الأمر قد حسم وإن عليها التكيف مع الأمر الواقع.
ذلك هو جوهر القضية، وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تقرأ بوضوح.
أولا: الصحراء الغربية ليست ملفا هامشيا في مستقبل موريتانيا
من الخطأ الفادح التعامل مع قضية الصحراء الغربية باعتبارها نزاعا يخص أطرافه المباشرين وحدهم. فالجغرافيا لا تعترف بمثل هذا التبسيط، والتاريخ لا يسمح بفصل مصير هذا الإقليم عن الأمن والاستقرار والتوازنات الاستراتيجية في موريتانيا والمنطقة المغاربية بأسرها.
لقد ظل النزاع الصحراوي، لعقود، أحد أعقد الملفات المفتوحة في شمال غرب إفريقيا، وألقى بظلاله على العلاقات بين المغرب والجزائر، وعلى مسار بناء الاتحاد المغاربي، وعلى فرص التكامل الاقتصادي بين شعوب المنطقة. كما كانت موريتانيا، بحكم موقعها وعلاقاتها التاريخية، من الدول التي لا يمكنها أن تتعامل مع تداعيات هذا النزاع بوصفها شأنا بعيدا عنها.
وقد أبقت الأمم المتحدة الصحراء الغربية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، وظلت تبحث عن تسوية سياسية للنزاع. وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي دعم مسار التفاوض على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مع التشديد على التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول، يضمن تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. ومدد القرار ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، مينورسو، حتى 31 أكتوبر 2026.
وهذا يعني أن المسألة، حتى في أحدث تطوراتها الأممية، لم تتحول إلى ملف مغلق، وأن التسوية النهائية لا يجوز استباقها بادعاء أن جميع آثارها السياسية والجغرافية والاقتصادية قد حسمت سلفا.
فإذا كان المجتمع الدولي لا يزال يبحث عن صيغة نهائية للنزاع، فمن حق موريتانيا أن تبحث، بالتوازي مع ذلك المسار، عن الضمانات التي تصون أمنها ومصالحها، وأن تتحسب لما قد ينشأ عن أي تسوية من ترتيبات حدودية أو بحرية أو اقتصادية جديدة.
ليس في ذلك عداء للمغرب، ولا مساس بحقوق أي طرف، بل هو عين المسؤولية السياسية.
إن الدولة التي لا تستعد لمستقبلها، ولا تستوضح ما قد يترتب على التحولات المحيطة بها، تترك مصالحها رهينة للظروف والقرارات التي يصنعها الآخرون.
ثانيا: حين تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد، يصبح الصمت مكلفا
لا يمكن فهم حساسية المرحلة من دون النظر إلى التنافس المتزايد على الموانئ والممرات التجارية والواجهات الأطلسية، وإلى المشاريع التي يراد لها أن تعيد رسم خريطة المبادلات بين شمال إفريقيا وعمق القارة.
فالموانئ ليست مجرد أرصفة للسفن، والممرات ليست مجرد طرق معبدة، والمشاريع اللوجستية ليست أرقاما في نشرات الاستثمار. إنها أدوات نفوذ، ومصادر دخل، ومراكز جذب لرؤوس الأموال، ووسائل لإعادة توزيع التجارة وفرص العمل وموازين القوة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يكتسب ميناء نواذيبو وموقعه الاستراتيجي أهمية خاصة بالنسبة إلى موريتانيا. كما أن المشاريع المرتبطة بالمحيط الأطلسي، ومنها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، تطرح أسئلة مشروعة عن مستقبل حركة البضائع والخدمات والاستثمار في المنطقة.
ولا يعني ذلك أن كل مشروع مغربي يستهدف موريتانيا، أو أن تطوير الموانئ ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين الجارين. فالتنمية حق مشروع للمغرب كما هي حق مشروع لموريتانيا، والتكامل الاقتصادي يمكن أن يعود بالنفع على الطرفين.
لكن الفارق كبير بين التعاون الذي يوسع المصالح المشتركة، والتنافس الذي يترك طرفا يتحمل التكاليف بينما يستأثر الطرف الآخر بمنافع الترتيبات الجديدة.
ومن هنا، فإن السؤال الموريتاني المشروع هو: كيف نضمن ألا تؤدي التحولات المقبلة إلى تهميش نواذيبو، أو إضعاف قدرته التنافسية، أو تقليص نصيب موريتانيا من الفرص الاقتصادية التي قد تنشأ في الفضاء الأطلسي؟
وكيف نضمن أن تكون موريتانيا شريكا في صناعة المستقبل الإقليمي، لا مجرد متلق لنتائجه؟
هذه أسئلة دولة مسؤولة، وليست لغة خصومة. والجواب عنها لا يكون بالانفعال، بل بدراسة المصالح، وتطوير البنية التحتية، والتفاوض على أسس واضحة، وتحصين الحقوق الاقتصادية والبحرية، وبناء شراكات لا تجعل الاعتماد المتبادل بابا للاختلال أو التبعية.
إن نواذيبو ليست مجرد مدينة على الساحل؛ إنها ركيزة في الاقتصاد الوطني، وأحد مفاتيح الحضور الموريتاني على الأطلسي. ومن حقها، ومن حق موريتانيا كلها، أن تكون حاضرة في أي نقاش يعيد تشكيل مستقبل الموانئ والممرات والأسواق في المنطقة.
ثالثا: طلب توضيح الحدود ليس استفزازا، بل احتياط سيادي
لعل أبرز ما يستحق التوقف عنده في التطورات الأخيرة هو ما أورده تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، الصادر في الأول من أكتوبر 2026، حول طلب موريتاني بتشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه بصورة توافقية.
وبحسب قراءة تحليلية نشرها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد في 15 أكتوبر 2026، أشار التقرير الأممي إلى أن موريتانيا أثارت هذا الطلب خلال جولة مدريد في فبراير 2026، ثم في جلسات لاحقة من المفاوضات.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين ما ورد في التقرير، وبين التأويلات التي يمكن أن تحيط بدوافع هذا الطلب. فليس من الدقة أن ننسب إلى نواكشوط أهدافا لم تعلنها، كما لا يصح اختزال المبادرة في فرضية واحدة قبل اتضاح جميع تفاصيلها.
لكن الثابت أن طلب التوضيح، متى كان قائما على التوافق والقانون والوثائق المعتمدة، لا يمثل في ذاته عملا عدائيا. بل قد يكون إجراء احترازيا ضروريا لتجنب التباس الحدود والاختصاصات والمصالح عند الوصول إلى تسوية نهائية.
وإذا كان مستقبل الإقليم قد يفضي إلى ترتيبات سياسية جديدة، فمن الطبيعي أن تثار أسئلة بشأن الحدود البرية، والفضاءات البحرية، والموارد، والممرات التجارية، والاختصاصات السيادية. فالتسوية التي تعالج عنوان النزاع وتترك آثاره الجغرافية والاقتصادية بلا توضيح قد تفتح الباب أمام خلافات جديدة بدل أن تطوي صفحة الخلاف القديم.
إن الحكمة تقتضي أن تناقش هذه المسائل في وقتها، وبالوسائل القانونية والدبلوماسية، لا أن تؤجل إلى أن تصبح الوقائع أكثر تعقيدا، والمصالح أكثر تشابكا، والتراجع عن المواقف أكثر كلفة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى منتقدي الموقف الموريتاني هو: ما الضرر في أن تطلب دولة مجاورة توضيحا توافقيا لمسألة قد تؤثر في أمنها ومصالحها المستقبلية؟
وهل يعقل أن يطلب من موريتانيا أن تثق في النوايا وحدها، بينما تتعلق المسألة بحدود وموانئ ومصالح استراتيجية قد تمتد آثارها لعقود؟
إن الثقة لا تناقض الضمانات، وحسن الجوار لا يلغي الحاجة إلى الوضوح، والاحترام المتبادل لا يتطلب من دولة أن تتنازل عن حقها في السؤال.
فالحدود التي لا تحسم بالوضوح والتوافق قد تتحول، غدا، إلى مادة للنزاع؛ والحقوق التي لا تصان بأدوات القانون قد تصبح رهينة لموازين القوة.
رابعا: من حق المغرب أن يطور مصالحه، وليس من حق أحد أن يطالب موريتانيا بتعطيل مصالحها
ليس من الحكمة أن تتحول العلاقات الموريتانية المغربية إلى ساحة لتبادل الاتهامات أو إلى معركة لإثبات من يملك الحق في التنمية والنفوذ. فلكل دولة مصالحها، ولكل شعب حقه في الازدهار، ولا يمكن بناء استقرار إقليمي دائم على مطالبة طرف بالتخلي عن حساباته الاستراتيجية إرضاء لطرف آخر.
لكن منطق المصالح المتبادلة يفرض قاعدة واضحة: كما يحق للمغرب أن يطور موانئه وممراته ومشاريعه، يحق لموريتانيا أن تدرس آثار تلك المشاريع، وأن تحمي تنافسية اقتصادها، وأن تطالب بتوضيح ما قد يمس مصالحها، وأن تدخل أي ترتيبات إقليمية من موقع الشريك صاحب الحقوق، لا من موقع المتفرج الذي ينتظر ما يقرره الآخرون.
إن الفرق بين الدولة الواثقة والدولة المرتبكة ليس في رفع الصوت، بل في امتلاك المعلومات، وحسن تقدير المخاطر، والقدرة على التفاوض، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وسياسية.
وموريتانيا ليست مضطرة إلى الاختيار بين الخصومة مع المغرب والتنازل عن مصالحها. هناك طريق ثالث، وهو الطريق الذي ينبغي أن تتمسك به: تعاون متوازن، وحدود واضحة، ومصالح متبادلة، واحترام كامل للسيادة.
أما تحويل كل سؤال موريتاني إلى تهمة، وكل مطالبة بالتوضيح إلى استفزاز، وكل تحفظ استراتيجي إلى علامة عداء، فليس من شأنه أن يبني الثقة، بل يضعفها ويجعل الشكوك تتغذى من غياب الحوار.
خامسا: حين يصبح الفضاء الرقمي ساحة للإهانة، من يحرس كرامة الجوار؟
ثمة جانب آخر من المشهد لا يجوز إغفاله، ويتمثل في ما يتداوله بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي من إساءات وتعميمات جارحة بحق موريتانيا والموريتانيين.
إن الاختلاف السياسي لا يمنح أحدا رخصة للإهانة، والخلاف حول الصحراء الغربية لا يبرر الانتقاص من شعب آخر، والتنافس الاقتصادي لا يسوغ تحويل الجار إلى مادة للسخرية أو التشهير.
فالشعوب ليست مسؤولة عن كل خلاف بين حكوماتها، ولا يجوز اختزال بلد بأكمله في منشور مستفز أو تعليق متعصب. كما أن وجود أصوات مسيئة لا يبرر تعميم الاتهام على مجتمع كامل، مغربيا كان أو موريتانيا.
لكن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقتضي أيضا ألا تترك حملات الإساءة، متى ثبت اتساعها أو تنظيمها، من دون رد مسؤول يوضح الحقائق ويفصل بين النقد المشروع والتحريض والتشهير.
ولا تتوافر، بمجرد تداول منشورات عدائية، أدلة كافية للجزم بأن تلك الحملات تصدر بأوامر رسمية أو تحظى بتوجيه حكومي. غير أن غياب الدليل على التنسيق الرسمي لا يلغي الحاجة إلى موقف واضح من النخب الإعلامية والسياسية والثقافية في البلدين، يدين الإهانة، ويمنع توظيف الخطاب الشعبوي في تسميم العلاقات بين الشعبين.
وإذا كانت بعض القضايا السياسية تخضع لحسابات دقيقة وخطوط حمراء، فإن احترام كرامة الشعوب ينبغي أن يكون قاعدة لا تقل صرامة عنها.
إن الصمت الرسمي، إن ثبت في مواجهة إساءات واسعة ومستمرة، قد يقرأ باعتباره تقصيرا في احتواء التوتر، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الرضا أو التواطؤ. ومن الإنصاف أن تطلب المواقف الواضحة على أساس الوقائع، لا أن تبنى الاتهامات على الظنون.
والرسالة هنا بسيطة وحاسمة: لا نريد حربا إعلامية، ولا نبحث عن خصومة مع الشعب المغربي، لكننا نرفض أن تتحول العلاقات التاريخية إلى مظلة للتطاول على موريتانيا أو التشكيك في حقها في حماية مصالحها.
فالكرامة الوطنية ليست موضوعا للمساومة، والاحترام المتبادل ليس تفصيلا تجميليا في العلاقات بين الدول، بل هو أحد شروط استمرارها على أسس سليمة.
سادسا: الذاكرة التاريخية تحذر من ترك الجروح مفتوحة
لم تكن العلاقة بين موريتانيا والمغرب، في تاريخها الحديث، خالية من التحولات الحادة. فقد ارتبط البلدان باتفاقية ترسيم الحدود الموقعة في الرباط يوم 14 أبريل 1976، والمسجلة لدى الأمم المتحدة، في سياق المرحلة التي أعقبت انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية وتقاسم المغرب وموريتانيا الإقليم بموجب اتفاق مدريد لعام 1975.
ثم جاء عام 1979، حين انسحبت موريتانيا من الجزء الذي كانت تسيطر عليه في الصحراء الغربية، بعد اتفاقها مع جبهة البوليساريو، في تحول استراتيجي أنهى انخراطها العسكري في النزاع.
ولا ينبغي استحضار هذه المحطات بقصد إحياء الخصومات القديمة، أو تحميل الأجيال الحالية أوزار الماضي، وإنما لاستخلاص درس لا تتغير صلاحيته بتغير الحكومات: إن القضايا الحدودية الكبرى لا تحتمل الغموض، وإن الترتيبات التي لا تقوم على وضوح قانوني وتوافق سياسي قد تترك وراءها أسئلة مؤجلة تعود إلى الواجهة عند كل تحول إقليمي.
وليس من مصلحة موريتانيا أو المغرب أن تتحول مرحلة البحث عن تسوية للصحراء الغربية إلى مناسبة لفتح جبهات جديدة من الخلاف. بل إن المصلحة المشتركة تقتضي استثمار أي تقدم دبلوماسي في بناء ضمانات واضحة، وتحديد الالتزامات، وحماية المصالح المتبادلة، وتجنب أي خطوات أحادية قد تثير الشكوك أو تخلق تنافسا غير متكافئ.
إن التاريخ لا يفرض على الدول أن تكرر أخطاءه، لكنه يحذرها من تجاهل دروسه.
سابعا: موريتانيا لا تحتاج إلى التصعيد، لكنها تحتاج إلى وضوح الرؤية
إن الرد الموريتاني الأكثر فاعلية لا يكون في تبادل الشتائم، ولا في الانجرار وراء الاستفزازات الرقمية، ولا في تحويل الخلافات المحتملة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
بل يكون في بناء موقف وطني متماسك، يستند إلى القانون الدولي، ويستند إلى الخرائط والوثائق والاتفاقيات، ويجمع بين التحرك الدبلوماسي والاستعداد الاقتصادي واليقظة الأمنية.
ويقتضي ذلك، في الحد الأدنى، العمل على جملة من الأولويات:
أولها، متابعة مسار المفاوضات المتعلقة بالصحراء الغربية، وشرح الموقف الموريتاني للرأي العام الوطني والدولي، بما يوضح المصالح التي تسعى نواكشوط إلى صونها من غير ادعاء ما لم تعلنه رسميا.
ثانيا، الدفع نحو معالجة أي أسئلة حدودية أو بحرية تنشأ عن التسوية النهائية عبر آليات قانونية وتوافقية واضحة، وبمشاركة الأطراف المعنية، تفاديا لتضارب التفسيرات مستقبلا.
ثالثا، وضع استراتيجية وطنية لتعزيز موقع نواذيبو والموانئ والممرات التجارية الموريتانية، حتى لا يبقى مستقبل الاقتصاد رهينا بما يقرره الآخرون من مشاريع أو تحالفات أو ترتيبات.
رابعا، فتح حوار جاد مع المغرب حول المصالح الاقتصادية المشتركة، والتجارة والنقل والاستثمار، على قاعدة الندية والتكافؤ والشفافية، بعيدا عن منطق المغالبة أو الارتهان.
خامسا، التصدي للإساءة والتحريض في الفضاء الرقمي بخطاب مسؤول، قائم على الأدلة، مع رفض التعميم وحماية الروابط الإنسانية بين الشعبين.
سادسا، تعزيز الحضور الدبلوماسي الموريتاني في المحافل الإقليمية والدولية، والاستفادة من القانون الدولي ومن علاقات موريتانيا المتوازنة، لتثبيت مكانتها بوصفها طرفا مستقلا يمتلك رؤية ومصالح وقرارات.
إن هذه الأولويات لا تستهدف المغرب، ولا تنتقص من حقه في الدفاع عن مصالحه. إنها تعبر عن حق موريتانيا في أن تفعل الشيء نفسه.
ثامنا: رسالة إلى الرباط، وإلى كل من يخطئ قراءة هدوء نواكشوط
إن موريتانيا لا تحتاج إلى عداوة المغرب حتى تثبت استقلال قرارها، كما لا يحتاج المغرب إلى انتقاص موريتانيا حتى يثبت مكانته الإقليمية.
والعلاقة بين البلدين أكبر من أن تختزل في سجال عابر، أو أن تترك رهينة لمزاج بعض المدونين، أو أن تدار بمنطق الشك المتبادل.
لكن الصداقة لا تعني التغاضي عن المصالح، والتاريخ المشترك لا يعفي من واجب الوضوح، والروابط الاجتماعية والثقافية لا تمنح أحدا حق تقرير ما ينبغي أن تقبله موريتانيا أو ترفضه.
إن نواكشوط، حين تطلب توضيحا توافقيا للحدود، لا تعلن الحرب على الرباط؛ وحين تدرس انعكاسات المشاريع الاقتصادية الكبرى، لا تعادي التنمية المغربية؛ وحين ترفض الإهانة، لا تستهدف الشعب المغربي.
إنها تمارس حقوق دولة تعرف أن حسن الجوار لا يستقيم إلا بين طرفين يحترم كل منهما إرادة الآخر.
وإذا كان ثمة من يظن أن هدوء موريتانيا دليل تردد، أو أن حرصها على الاستقرار علامة ضعف، فإن عليه أن يعيد النظر في معنى القوة السياسية. فالقوة ليست في الصخب، ولا في التهديد، ولا في الاستعراض الإعلامي، بل في القدرة على حماية المصالح من دون تهور، وصون الحقوق من دون عدوان، وإدارة الخلاف من دون التفريط في الثوابت.
وموريتانيا، بما تملكه من موقع استراتيجي، وثروات بحرية ومعدنية، وعمق إفريقي وعربي، ومنافذ على الأطلسي، ليست دولة هامشية في مستقبل المنطقة. وأي تصور لمستقبل شمال غرب إفريقيا يتجاهل مصالحها أو يقلل من شأنها هو تصور ناقص، مهما بدا براقا في خطابه أو واسعا في طموحاته.
خاتمة: الجوار امتحان أخلاقي قبل أن يكون معادلة جغرافية
إن مستقبل العلاقات الموريتانية المغربية لا ينبغي أن يبنى على الأوهام، ولا على الاتهامات غير المثبتة، ولا على افتراض أن المصالح ستتطابق تلقائيا لمجرد أن الجغرافيا فرضت الجوار.
بل ينبغي أن يقوم على معادلة واضحة: احترام متبادل، وسيادة مصونة، وحدود واضحة، وتعاون اقتصادي متوازن، وحوار صريح حول الملفات الحساسة، ورفض قاطع لكل خطاب يحول الاختلاف السياسي إلى خصومة بين الشعوب.
أما قضية الصحراء الغربية، فلا تزال، رغم التحولات الدبلوماسية، ملفا لم تستكمل تسويته النهائية. ومن ثم فإن الحكمة تقتضي ألا يترك أي غموض بشأن الحدود أو المصالح البحرية والاقتصادية حتى يتحول إلى خلاف جديد يضاف إلى سجل النزاعات الإقليمية.
وليس المطلوب من موريتانيا أن تصطف ضد المغرب، كما ليس المطلوب منها أن تصطف مع أي طرف على حساب مصالحها الوطنية. المطلوب أن تصطف مع حقها في القرار المستقل، ومع القانون الدولي، ومع الاستقرار الذي لا يشترى بالتنازل عن الحقوق ولا يصان باستفزاز الجيران.
فموريتانيا لا تطلب من أحد أن يتخلى عن مصالحه، وإنما ترفض أن يطلب منها أحد أن تتخلى عن مصالحها. ولا تسعى إلى إغلاق أبواب الجوار، وإنما تريد أن تظل هذه الأبواب مفتوحة على الاحترام لا على الإملاء، وعلى الشراكة لا على التهميش، وعلى الوضوح لا على الالتباس.
إن الجغرافيا قد تفرض الجوار، لكن السياسة هي التي تحدد طبيعته. والتاريخ قد يجمع الشعوب، لكن الاحترام هو الذي يصون اجتماعها. أما السيادة، فلا يحفظها الصمت وحده، ولا تصونها الشعارات، بل تحميها دولة تعرف حقوقها، وتحدد مصالحها، وتفاوض من موقع الوضوح والثقة.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع: موريتانيا تريد الاستقرار، لكنها لا تقبل أن يكون ثمنه الغموض؛ وتريد التعاون، لكنها لا تقبل أن يكون ثمنه التهميش؛ وتريد حسن الجوار، لكنها لا تقبل أن يفهم حسن الجوار على أنه تنازل عن حق أو تفريط في سيادة.
ذلك ليس تهديدا لأحد، بل إعلان لمبدأ ينبغي أن يحكم علاقات الدول: لا استقرار دائما من دون احترام متبادل، ولا شراكة متينة من دون مصالح متوازنة، ولا حسن جوار حقيقيا من دون الاعتراف الكامل بحق كل دولة في أن تكون سيدة قرارها.
سيدنا ولد السبتيو
.gif)


