
تحية وفاء وتكريم لابن عمٍّ ، وصديقٍ ، ورفيق درب الفكر ، من عام 1981 إلى عام 2026 .
هناك انواع من الاعتراف بالجميل لا ينبغي أن نؤجلها إلى الغد ؛ لأن الصمت إذا طال أمده ، قد يبدو أحيانًا ضربًا من ضروب نكران الجميل .
وأنا أستعرض حصيلة مسيرتي وسط المعارك السياسية ، والالتزامات الفكرية , وصفحاتٍ لا حصر لها ، خططتها على امتداد السنين ، أريد أن أخصّ بالذكر فضيلةً أرفع من شأنها وأضعها في منزلة رفيعة ، ألا وهي الوفاء والاعتراف بالجميل ،
لقد خضتُ منذ بعض الوقت معركةً ضد نكران الجميل . تلك الآفة الإنسانية التي تدفع بعض الناس إلى نسيان من مدّوا إليهم يد العون ، أو أناروا لهم الطريق حين التبست عليهم السبل ، أو شجّعوهم عندما ساورهم الشك في جدوى رسالتهم وحجم ما يمكن أن يحققوه من خلالها .
من هنا ، أريد أن أستهل هذا الفصل بالحديث عن رجل أرى أنه أولى الناس بهذا التكريم .
إنه ابن عمي وصديقي ، محمد الحافظ ولد المختار ولد بلعمش ، الذي تمتد بيننا أواصر الصداقة والتآلف الفكري منذ عام 1981 ، وتواصلت حتى عام 2026 .
عبقرية شنقيطية , وفاءٌ للجذور
لطالما استوقفتني تلك الملكة العقلية الفريدة التي تجيد
أرضنا الموريتانية إنباتها ورعايتها . عقلٌ يتغذى من الذاكرة ، ويستمد قوته من دقة الملاحظة ، وحرية الحكم ، والمعرفة العميقة بالناس والبيئة التي يعيشون فيها .
قد وجدتُ في ابن عمي وصديقي محمد الحافظ ما أحب أن أسميه عبقرية شنقيط ؛ نورًا في العقل لم تسمح له المؤثرات الخارجية بأن تحجب عنه الرؤية السليمة ، ولم تجعله الصيحات العابرة يفقد مذاق جذوره الأصيلة .
كما يسعدني أن أتصور ، أن حلاوة التمر الذي يتذوقه في فمه ، لم تفسدها شطيرة الهامبرغر التي يصرّ عليه الحداثيون أن يتناولها ! .
وراء هذه الصورة الطريفة ، تختبئ قناعة عميقة : يستطيع المرء أن ينفتح على ابتكارات العالم ، من غير أن يتخلى عن هويته وثقافته وحريته في التفكير .
هذا الوفاء للجذور ، الذي يقترن بفضول معرفي لا يخبو ، هو تحديدًا ما دفعني إلى الإصغاء إلى نصائحه والأخذ بمشورته .
عشرات الآلاف من الصفحات
تبحث عن مصيرها الحقيقي
بين عامي 2018 و 2026 ، راكمتُ عشرات الآلاف من الصفحات التي تناولت المستجدات والأحداث الجارية ، والسياسة ، والحكامة ، والشخصيات ، والأحداث ، والتساؤلات التي تشغل بلدنا وتؤثر في مساره .
غير أنني كنت غارقًا في دوامة الأحداث المتلاحقة .
فقد أبقتني مسؤوليات ومهام " قاعدتي السياسية الأمامية" التي نصّبت نفسي على رأسها ، أو ما أسميه اختصارًا "BASEP السياسي " في قلب وضع بالغ الإرهاق ؛ إذ وجدت نفسي ، بين سندان المقربين من الرئيس الغزواني ، ومطرقة الموالين للرئيس السابق عزيز ؛ مضطرًا إلى مواصلة التحليل ، ومتابعة الأحداث ، والاستجابة لمتطلبات العمل السياسي .
لم يكن الوقت يتسع لي كي أبتعد قليلًا عن صخب الأحداث ، وأصنّف الوثائق ، وأضبط التسلسل الزمني للوقائع ، وأقارن بين المعطيات ، وأحوّل هذا التراكم من النصوص إلى عمل متكامل ، واضح البناء ، محكم التنظيم .
كانت الصفحات تتراكم فوق الصفحات ، والتحليلات تتوالى ، فيما كانت الأحداث الجديدة تؤجل باستمرار لحظة العودة إلى الأحداث القديمة وإعادة قراءتها في ضوء ما استجد بعدها .
كنت أدرك أن لهذه المادة قيمة حقيقية ، لكنني لم أكن قد اهتديت بعد إلى الوسيلة التي تمنحها ما تستحقه من إبراز وانتشار .
عندئذ ، شجّعني ابن عمي وصديقي بلعمش على تحويل هذا الرصيد إلى كتب .
ساعدني على إدراك حقيقة جوهرية ، وهي أن العمل الفكري لا ينبغي أن يظل أسير الظروف التي أُنتج فيها ؛ بل يجب جمع مادته ، وتنظيمها وتوثيقها ، ومراجعتها ؛ ثم نقلها إلى الأجيال الحاضرة والقادمة ، حتى تجد فيها ما ينفعها ويعينها على فهم ماضيها واستشراف مستقبلها .
وقد دفعتني نصيحته إلى النظر إلى تلك الآلاف من الصفحات بمنظور مختلف : فلم أعد أراها مجرد آثار متفرقة لالتزام يومي متواصل ، بل صرت أراها مادةً لذاكرة سياسية وفكرية سيكون من المؤسف أن تضيع أو تظل حبيسة الأدراج .
الذكاء الاصطناعي :
اكتشاف في صحرائي الغزوانية
وهو أيضًا من حدثني عن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي ؛ وعن الكيفية التي يمكن بها لهذه التقنية أن تسهم في إبراز أ عمالي وإعطائها المكانة التي تستحقها .
وأعترف بأن هذه الفكرة غيّرت نظرتي إلى مستقبل كتاباتي .
فقد اكتشفت أن أداةً قادرة على تنظيم المعلومات ، وترتيب الأفكار والحجج ، والربط بين الوثائق ، والإسهام في إعداد النصوص ، يمكن أن تتحول إلى عون ثمين لرجل كتب كثيرًا ، لكنه لا يجد دائمًا الوقت الكافي لترتيب إنتاجه الفكري وإخراجه في صورة متكاملة .
وهكذا ، في صحرائي الغزوانية الخاصة ، اكتشفت - من حيث لا أكاد أشعر - آفاق الذكاء الاصطناعي وإمكاناته . ذلك الذكاء الذي نبّهني ابن عمي إلى وجوده ؛ ولفت انتباهي إلى ما يمكن أن يقدمه من فائدة .
وحين أخذت أتأمل في كل ما سبق ، انتابني شعور بأنني قصّرت في الاعتراف بالجميل .
كيف أمكنني أن أنتظر كل هذا الوقت قبل أن أوجّه تحية علنية إلى الرجل الذي شجّعني على تحويل كتاباتي إلى كتب ؛ وفتح أمامي آفاقًا جديدة للتعرف إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي ؟ .
وكيف استطعت أن أخصص كل هذه الصفحات للأحداث والمسؤولين السياسيين والمؤسسات والسلوكيات الإنسانية ، من دون أن أخصص - في وقت أبكر - بضع صفحات لمن ساعدتني نصائحه على إعادة النظر في مصير إنتاجي الفكري ؟ .
لذلك ، أجدني اليوم ملزمًا بتدارك هذا التقصير ، وتصحيح هذا الإغفال .
فمنذ عام 1981 وحتى عام 2026 ، امتدت علاقتنا عبر العقود ، وظلت الصداقة والتآلف الفكري يجمعاننا . واليوم ، أريد أن أكرّم صداقته ، وأن أعبّر عن تقديري لنصائحه ، وأن أعترف بإسهامه في فتح صفحة جديدة من مسيرتي الفكرية .
فالاعتراف بالجميل لا يقتصر على تذكّر الذين وقفوا إلى جانبنا وساعدونا ؛ بل يقتضي أيضًا أن نعلن ذلك على الملأ ، وأن ننصفهم ، وأن نحرص على ألا يُمحى إسهامهم من تاريخنا الشخصي .
ومن هذا المنطلق ، أخصّه بهذا التكريم قبل غيره ، وأمنحه أولوية الحديث عنه ، على أن أعود لاحقًا إلى تخصيص صفحات أخرى للأشخاص الذين تركوا بصماتهم في مسيرتي .
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس2ires
في 20 أكتوبر 2026
.gif)


