
تابعت ردود الفعل المستنكرة للتعميم الذي أصدره وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الأستاذ محمد ولد ببانه، والذي ألزم فيه مسؤولي وعمال قطاعه باستخدام اللغة العربية في مراسلاتهم ووثائقهم الموجهة إلى ديوانه. وقد استغربت أن يتحول إجراء إداري طبيعي، بل وواجب دستوري، إلى مناسبة للهجوم على الوزير ووصفه بأحادي اللغة، وكأن إتقانه العربية وعدم معرفته بلغة أخرى عيب أو انتقاص من ثقافته ومكانته.
والحقيقة أن إتقان العربية شرف يعتز به صاحبه، فهي لغة القرآن الكريم والإسلام، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولغة اهل الجنة ولغة تراث حضاري وعلمي عريق. كما أن أحادية اللغة ليست عيبا ولا انتقاصا من قدر الإنسان، فكثير من قادة العالم ومثقفيه يكتفون بلغتهم الوطنية، ومن يتقنون لغات أجنبية منهم يحرصون، على استعمال اللغة الرسمية لبلدانهم في أعمالهم ومراسلاتهم ومخاطباتهم الرسمية، مهما تعددت القوميات واللغات واللهجات داخل تلك البلدان.
ثم إن الفرنسية، مهما كان حضورها التاريخي في الإدارة والتعليم، تظل لغة أجنبية في موريتانيا. ولا يتجاوز عدد المتحدثين بها، حسب الإحصاءات المنسوبة إلى المنظمة الدولية للفرنكوفونية، 13% من السكان، نصف هؤلاء يعرف العربية. فهل يعقل أن تظل الفرنسية مهيمنة على مراسلات مؤسسات الدولة، بينما العربية هي لغة الأغلبية واللغة الرسمية بموجب الدستور؟ الذي صوت عليه الشعب.
ولعل من المناسب هنا التوقف عند شخص الوزير نفسه، الأستاذ محمد ولد ببانه، الذي لا ينبغي اختزال مساره ومكانته في مسألة معرفته بلغة أجنبية أو عدمها. فهو مثقف كبير، وسياسي محنك، ومحام متمرس، ودبلوماسي حاذق، وله تجربة متعددة الأبعاد في مجالات الثقافة والسياسة والقانون والعلاقات الدولية. وهذه المؤهلات والخبرات أحق بأن تكون محل تقدير عند مناقشة قراراته، بدلا من الانشغال بالسخرية من اختياره الالتزام باللغة الرسمية للبلاد. فالجدل حول قرار إداري ينبغي أن ينصب على مضمونه ومدى انسجامه مع الدستور، لا على شخص صاحبه أو لغته.
إن الوزير محمد ولد ببانه لم يبتدع امتيازا للعربية، ولم ينتقص من شأن أية لغة، وإنما عمل على تطبيق مقتضى المادة السادسة من الدستور، التي تنص على أن اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية، وأن اللغة الرسمية هي العربية. والدستور ليس نصا للزينة أو مجرد إعلان رمزي، بل مرجعية ملزمة لجميع السلطات والمؤسسات.
وللتذكير، فإن تعريب الإدارة ليس أمرا مستحدثا، فقد حرص الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، عند المصادقة على دستور يوليو 1991، على توقيعه باللغة العربية، وغير توقيعه الرسمي من الفرنسية إلى العربية. كما ألزم مسؤولي الدولة، بمن فيهم الضباط السامون، بتعلم قراءة العربية خلال مهلة محددة.
ويحسب للجيش الوطني أنه كان من أكثر مؤسسات الدولة التزاما بمسار التعريب، حتى امتد استخدام العربية إلى مختلف معاملاته، وإلى لغة الإشارة العسكرية، بفضل الإرادة التي أظهرها العقيد مولاي ولد بوخريص، قائد الأركان آنذاك. كما شهدت تلك المرحلة اعتماد كتابة النصوص التشريعية المعروضة على مجلس الوزراء باللغة العربية، والتوقيع على أصولها العربية، مع اعتبار الترجمات نقلا مطابقا للأصل.
غير أنه من المؤسف ملاحظة التراجع عن جانب من تلك الإجراءات والقرارات المتعلقة بتعريب الإدارة بعد خروج ولد الطايع من السلطة، وهو ما يبرز الحاجة إلى إرادة سياسية ومؤسسية جادة لاستكمال هذا المسار.
إن احترام العربية بوصفها اللغة الرسمية للدولة واجب دستوري، مثلما أن احترام بقية اللغات الوطنية، البولارية والولفية والسوننكية، واجب وطني ودستوري أيضا. ويقتضي ذلك العمل على كتابتها وتطويرها وترقيتها، وإتاحة استخدامها في مختلف مجالات الدولة ومؤسساتها إلى جانب العربية، بما يحفظ التنوع اللغوي والثقافي ويعزز الوحدة الوطنية. أما الفرنسية وغيرها من اللغات الحية، فتبقى أدوات مهمة للتواصل الخارجي والانفتاح على العالم والاستفادة من تجاربه، دون أن تحل محل لغاتنا الوطنية في إدارة شؤوننا الداخلية.
أما وصف الوزير بأحادي اللغة، فلا يصلح حجة للطعن في قراره؛ فهو ليس مطالبا بإثبات كفاءته في اللغات الأجنبية حتى يمارس حقه في الالتزام بلغة بلاده الرسمية. وليس من الموضوعية السخرية منه لأنه اختار استعمال العربية، بل الأجدر مناقشة القرار في ضوء أحكام الدستور ومصلحة الإدارة الوطنية.
إنني أثمن خطوة وزير الثقافة، وأدعو بقية الوزراء والمسؤولين إلى الاقتداء بها، واتخاذ إجراءات مماثلة في قطاعاتهم، حتى تصبح العربية لغة العمل الإداري الفعلية، لا مجرد نص دستوري. كما أدعو الحكومة إلى وضع خطة عملية لاستكمال تعريب الإدارة، وتأهيل الموظفين، وتوحيد المصطلحات الإدارية والقانونية، وتوفير الوسائل اللازمة لتطوير لغاتنا الوطنية جميعا وإتاحة استخدامها في مؤسسات الدولة.
إن القضية ليست معركة بين اللغات أو مكونات المجتمع، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتجاذب أو الإقصاء، وإنما هي قضية احترام دستور الدولة وهويتها الرسمية، مع الوفاء بالتزامها الدستوري تجاه جميع لغاتها الوطنية.
فالعربية ليست تهمة ولا امتيازا لأحد؛ إنها لغة الدولة الرسمية ولسان دستورها، ومن حقها الطبيعي أن تكون لغة إدارتها ومؤسساتها، إلى جانب العمل على كتابة بقية لغاتنا الوطنية وتطويرها وترقيتها.
.gif)


