أسئلة توقظ ما تبقى من فضول !! / سيدي علي بلعمش

أربعاء, 04/11/2026 - 14:01

مما يزعج الكثيرين و يُسعدني ، أن يظل لموريتانيا طابعها الخاص في كل شيء . 

فهذا بالنسبة للبعض دليل على تخلفها و بداوتها . 

و بالنسبة لي دليل على أصالتها و صعوبة ذوبانها في الآخر مهما كانت الفوارق و عمق التجارب ؛ في الديمقراطية ، في مفاهيم العصرنة ، في الثقافة ، في التقاليد ، في نمط العيش ، كما في هذه الحالة الموريتانية بامتياز في كل أوجهها :

يعتقد الكثيرون أن ما يحدث على الساحة هو الرد الضمني للرئيس غزواني على تساؤله (اللغز) ، "أين نتجه" !؟ 

و كان هذا التساؤل لغزا في توقيته لا في مضمونه ..

كان لغزا في الرد عليه بعدم الرد عليه ، كأن التذكير به هو الأهم في زمن المفاهيم المقلوبة و أبطال أرصفة التسكع الغربية ..

و كان لغزا في إيحائه (الذي أهمله الجميع) ، بأن كل شيء مسموح في موريتانيا الآن ، إلا ما يجب أن يفهم الجميع أنه لم يعد مسموحا !!

و يعتقد البعض (على الأقل) ، أن ما يراد من الحوار (المتعثر ، لله الحمد) ، أصبح واضحا من خلال بعض التعينات الأخيرة و حظوظ المطالِبين فيها بمأمورية ثالثة !!
و هذا وضوح جلي لو لم يكن يُحتَمل عكسه !!

و يجزم البعض (في كل الأحوال) ، أن الرئيس ماض بإصرار ، في تغيير الدستور لصالح مامورية ثالثة أو ترتيب كرسي نائب الرئيس أو مأمورية السبع سنيين و أن حزب الإنصاف بدأ يطلق رسائل واضحة بهذا الخصوص !!
إلا أن أحزاب الدولة كانت دائما وسيلة توجيه لا وسيلة توضيح ..

و هناك قلة يجزمون بأن الرئيس لا يريد مأمورية ثالثة ، لكنه لا يريد أن يكون خروجه من الحكم سببا في أزمة يراها البعض غير مستبعدة ، نتيجة متغيرات كثيرة مرتبطة بأوضاع المنطقة و التحولات المجنونة التي يشهدها العالم أجمع !!
و هذا استعراض سياسي ، يعني كل شيء و عكسه !!

و هناك تفاصيل أخرى ثانوية الأهمية ، مثل متى ؟
و ماذا ؟
و كيف ؟
و على أي أساس ؟

بهذه الطريقة فتح الرئيس (من دون  أن يقول أي شيء أو يفعله) ، الباب على مصراعيه للتفكير في كل محتمل ، فأخذت "المعارضة" من دون أن تَعرفَ على من ترُد ، بأسوأ الاحتمالات و أكثرها جدلا . 

و هذا هو دورها المعتاد ، لكنه هو خطؤها الكبير في هذا الظرف بالذات  !! 

لقد قتل عزيز المعارضة و لم يحييها غزواني بعده ، فظهرت نبتة غريبة على جسم البلد تتمثل فيها كل عيوب الديمقراطية و الابتعاد حدَّ التنكر لكل قيَّم المجتمع ..

وحين أضع المعارضة بين أظافر يعني أنني لا أقصد تلك النبتة الغريبة و إنما أعني الموالاة المتحفظة (حتى لا أقول المستاءة) و موريتانيا الأعمال التي وضعها النظام (بقصد أو بغير قصد) ، في وضع محرج أو غير مريح على الأقل !!

لم تفهم "المعارضة" أن الرئيس لا يحتاج كبير جهد للبقاء في السلطة سواء عن طريق مأمورية ثالثة أو غيرها و أن ما يخوض فيه الجميع من موانع دستورية و تجاوزات إجرائية هي مجرد تطفل على القانون : لا يمكن تحصين أي مادة دستورية إلا بجهل القانون  !!

و لم يفهم الرئيس أن "المعارضة" أو الموالاة المستاءة ، معارضة مدللة ، لا تساوم على كبريائها و لا يمكن حسم أي أمر من دونها ..

و لم يفهم أنه لم يُتَح لها العمل من موقع الموالاة و لم تتعود العمل من موقع المعارضة .
فكان هذا التلكؤ .

هذا الإشكال كان صحيحا في ما مضى و هو من الثوابت التي لم يجرب عكسها قط ، لأن النظام و أغلبيته لم يصلا أبدًا إلى هذا الحد من التجافي ، لا في العلن و لا في الخفاء  !!

و لم يصلا قط إلى هذا الحد من الخلاف بلا سبب مفهوم !!

صحيح  أنه لم يفشل أي رئيس موريتاني قط في الحصول على ما يريد قبل عزيز بسبب جهله للتاريخ ..

و صحيح أيضا أنه لم ينجح قط أي رئيس دون الاعتماد على موريتانيا الأعماق كما في العالم أجمع باختلاف أعماقه !؟

و هذا ما جعل الجميع يؤكد اليوم إما بقاء غزواني في الحكم ، لا يعرف كيف !؟

و إما حتمية خروجه منه ، لا يعرف كيف !؟
 
و تعاطي الرئيس غزواني مع هذا الجدل القائم بالنفي بالتأكيد و التأكيد بالنفي ، من خلال إيحاءات حية بغرور لاعبيها و ميتة بأهميتهم ، هو اللغز المُحيِّر للجميع !! 
و يدرك الرئيس غزواني لا محالة كل هذه الحقائق بما يكفي لسهولة إصدار أحكامنا الساذجة ، حين لا نفهم !!

فلماذا لا نكون موضوعيين و نقول إن الرجل يراقب الساحة (قبل ثلاث سنين من انتهاء مأموريته) من دون تدخل ، لأنه غير معني بهذا الجدل العقيم !؟

# هل الرئيس غزواني متردد في قراراته كما يعتقد البعض!؟

# هل الرئيس غزواني متأني في قرارات كما هو طبعه !؟

# هل ما يطلق من إشارات للتأكيد أو للتضليل !؟ 

# هل طلب المأمورية الثالثة له ، يحسب عليه أو يحسب له !؟

# هل الجدل القائم جدل ديمقراطي أو بيزنطي !؟

# و السؤال الذي لم يطرحه أي أحد و الأهم من الديمقراطية الشكلية و من الديمقراطيين الكاذبين ، المتربصين بالوطن ، هو أين مصلحة الوطن في بقاء الغزواني و أين هي في مغادرته الحكم !؟

من لا يطرح هذا السؤال لا يهمنا موقفه .
و من لا يرد عليه بغير التخبط في الجدل الديمقراطي العقيم ، لن نستمع إلى ما يقوله .

و السؤال الذي يطرح نفسه و يهمنا الرد عليه لارتباطه بأمننا و استقرارنا ، هو ماذا يريد الرئيس غزواني من أغلبيته و ماذا تريد أغلبيته منه !؟

أما ما يجب ان نحذره بوعي فهو أن من يتحركون اليوم على الواجهة ليسوا نخبة و لا معارضة و هم جزء من كل مشكل لا من أي حل.
 و هذا يخيفنا ..

و هم يصرخون و ينتقدون ويرفعون أصواتهم ، بسبب أخطاء السلطة و إصرارها على عدم محاربة الفساد .
و هذا يخيفنا جدا ..

و نحن مهددون بالدخول في حالة طوارئ قد تحصل في أي لحظة ، تعيدنا إلى المربع الأول من اتفاق مدريد (1975) .
و هذا يخيفنا أيضا و أيضا !!

و كل هذا يتطلب :
ـ تقشف اقتصادي موجه و صارم ..
ـ دبلوماسية محنكة ، مشبعة بالتاريخ و الثقافة و الوطنية ..
 ـ باع سياسي جمعوي لا يعرف المستحيل ..
ـ و طوق أمني على المقاس يذكر الديمقراطية بأكاذيبها و احتقارنا لمروجي عدالتها ..  

و  الأهم من كل هذا هو أن لا نخاف غير الخوف .

و لله الأمر من قبل و من بعد.