
أستطيع الآن أن أجزم أن الحوار "الوطني" أصبحح متجاوَزا في أهدافه و غاياته و كل معانيه . و قد يجد من يأسف على انقطاع موائده الدسمة لكنه لن يجد من يبكي على بوائقه ..
و من يُصر اليوم على محاولة إعادة الروح له ، سيُدرك حتما ، أن خلفيات كل المشاركين فيه كانت مشحونة بأحكام مسبقة تجعل من الحوار ساحة معارك لا ساحة تفاهمات ..
و من يتابع الساحة اليوم و ما يتخمر فيها من نيات مكشوفة السمسرة و الأطماع و الاستعداد المبطن للتفاهمات الجانبية و الانسجام المشروط ، يدرك بسهولة أن هذه ليست ساحة حوار و لا نخبة حلول ..
و من ينظر في تودد أهداف الحوار للجميع و تنازل القائمين عليه عن وطنيتهم و مصلحة البلد ، يفهم أن الحوار أصبح أهم من الوطن بسبب مصالح شخصية لولاها لما كان الوطن أصلا بحاجة إلى حوار ..
لقد تأخر الرئيس غزواني كثيرا في العمل على الخطة (أ) و سيتأخر أكثر في العمل على الخطة (ب) ، إذا ظل ينتظر مخرجات هذا الحوار المتدحرج يوما بعد يوم ، نحو كل أسباب فشله..
الخطة (ب) ، ستكون أذكى و أسهل من سابقتها لكن الاستمرار في الأخيرة و التحولات المضطربة الحاصلة في العالم ، قد تحولها في أي لحظة إلى مستحيلة و بمعارك من داخل الموالاة لا من المعارضة متحوِّرة العروض !!
قراءة الساحة الوطنية اليوم من الخارج ، تجعلنا أمام أربع مشاريع رؤساء من "الأغلبية" و ثلاثة من المعارضة و بقراءة أدق أقول مشروع رئيس واحد من الأغلبية و ستة من المعارضة !!
أما قراءة الساحة من الداخل فتحيلنا إلى الصمت و لا أقول إلى المجهول !!
# بعض المشاريع الرئاسية داخل الأغلبية ، أصبح لها أنصارها و غلمانها و موَّزعو منشوراتها السرية ..
# بعضهم لم يعد لديه ما يخسره لكنه في انتظار تخلخل الأغلبية من حول الرئيس ..
# بعضهم ما زال يمشي على الحبلين بحثا عن بيعة تطفئ ظمأه أو مغامرة ممولة من جهات تبحث عن تحالف مراحل لا توجد في غير أخيلة مرضى السياسة !!
لقد مكَّن الرئيس غزواني جهات في الأغلبية هي اليوم نقاط ضعف نظامه بعلاقاتها المشبوهة مع البنك الدولي و بجهات أخطر ، لن يعرف كيف يتصرف ، حين تقف هذه الجهات من خلفهم في آخر لحظة ، تماما مثل ما حصل لعزيز ..
و لا خوف على موريتانيا في النهاية من عودة عزيز إلى الواجهة من خلال بيرام أو ولد أجاي أو حلفهما الأوسع (ولد محم ، ولد مرزوگ ، ولد بايَّ …) ، لأن هذه خطوط حمراء عند الجيش و الأمن ، لكنها قد تدخل البلد في صراعات كان يمكن تفاديها من اليوم !!
لقد والى ولد الغزواني كل من كان يجب أن يتحاشاهم و تحاشى كل من كان يجب أن يواليهم ناسيا أنه يقود موريتانيا و أن قيادتها لا يمكن أن تُختزل في صراعه مع ولد عبد العزيز !!
و سيكون عليه اليوم ، إما أن يمتلك شجاعة تصحيح أخطائه بالعودة إلى الحسابات التقليدية لاستقرار الحكم في موريتانيا (و أتكلم هنا عن ما قبل الانتخابات) و إما أن يستسلم لفوبيا عزيز ليكون آخر من يُسأل عن "أين تتجه موريتانيا؟" ..
# ولد أجاي رجل البنك الدولي في موريتانيا ..
# ولد أجاي رجل دولة الإمارات في موريتانيا ..
# ولد أجاي رجل تدمير النظام الموريتاني بالضرائب و المظالم..
# ولد أجاي رجل محاربة الفساد بالدعاية الكاذبة و ترسيخه في الواقع ..
# ولد أجاي رجل فساد نظام عزيز المستمر ..
# ولد أجاي رجل إرباك المشهد السياسي بدعاية الغوغاء و تجنيد الغوغاء و تنظيم صفوف الغوغاء و تحويل الغوغاء إلى قدر موريتاني لا مناص منه ..
# لم يعد أحد في هذا البلد يتجرأ على قول الحقيقة ..
# لم يعد أحد في هذا البلد يستطيع التفريق بين الحق و الباطل ..
أليس من حقنا أن نحلم ببلد أهم .. ببلد أعظم .. ببلد أرحم !؟
أي بلد هذا !؟
متى نخرج من عنق هذا القمقم!؟
كل ما في هذا البلد اليوم مزور ..
كل ما في هذا البلد مغشوش ..
كل ما في هذا البلد منتهي الصلاحية ..
كل ما في هذا البلد منتقى من أسوأ ما في أسواق العالم ..
فعن ماذا يمكن أن يتكلم ولد أجاي أحرى أن يتبجح !؟
السنيغال بلد مجاور فقير ، بعمر بلدنا لا بتنوع ثرواته ، في حدود العشرين مليون نسمة ؛ فلماذا لا يقارن ولد أجاي تعليمنا بتعليمه .. لماذا لا يقارن بنيتنا التحتية ببنيته .. لماذا لا يقارن الصحة في بلدنا بالصحة فيه !؟
لماذا لا يقارن احترام هيبة الدولة فيه التي تمنع على الفولان الحديث بلهجتهم (يمثلون حدود 18٪) ، في البرلمان و الدوائر الحكومية و يطالبون بتدريسها في بلدنا الذي يمثلون فيه حدود 5٪ !؟
كفى تلاعبا بعقولنا ..
كفى احتقارا لشعبنا ..
كفى استهتارا بمصيرنا ..
بماذا تفتخرون و بلدنا يحتل كل الأرقام القياسية في مؤخرة العالم !؟
بماذا تفتخرون حين تحملون أبناءكم إلى مستشفيات دول الجوار لاستئصال دودة زائدة ، كان القدماء يعالجونها بأمان !؟
ثم ، لماذا حساسيتكم المفرطة من النقد و أنتم من أنتم !؟
لا أدري في الحقيقة ماذا أوصلنا إلى هذا الحد ، رغم التدهور الملحوظ في القيم على جميع الأصعدة و في العالم أجمع ..
جل كبار المسؤولين في البلد اليوم من جيل الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات و هو أفضل جيل عرفته البلاد من دون منازع ؛ تكوينا و تربية و التزاما و وعيا ، و هو (و هذا ما يجهله الكثيرون) ، الجيل المخضرم الذي عبر المجتمع على ظهره من البداوة إلى المدنية . و قد تربى هذا الجيل في أجواء رائعة ، خالية من الصخب ، لم يكن الفقر فيها عيبا و لا المظاهر بمثل هذا الطغيان الصارخ ..
كان التميز في تلك الفترة استحقاقا لا يحتاج أي خلفية مختلفة أو مجانية : التفوق في الدراسة ، الاستقامة في الوظيفة ، المهارات في التجارة ، الاستقامة الاجتماعية ، الصدق في المعاملات و الوفاء في الصداقات…
و فجأة ، كأنما نفد المخزون و انتهى تاريخ استعماله و لم يبق إلا نفاياته الضارة ، نجد أنفسنا اليوم أمام بقية من هذا الجيل تفتقر إلى كل ما عرفنا فيه من قيم و التزام و تعال على النواقص و السبب (لو قلته لتفككت موريتانيا اليوم !!!)
جل وزراء و مدراء و سفراء و خبراء الدولة اليوم ، يحكم عليهم الجميع بالكذب المرضي !!
لقد أصبحت الاستثناءات في هذا المجال من رُتبِ المعجزات و الكرامات !!
لا توجد رذيلة في الحياة أسوأ من الكذب .. الكذب رأس كل خطيئة .. الكذب أم كل الكبائر ..
لم يعد في هذا البلد من يستطيع أن يرمي آخر بحجر الكذب .. لم يعد في هذا البلد مُنزه عن الكذب .. لم يعد في هذا البلد من يحرجه كذبه !!
فما الذي يجعل موظفا ساميا ، يتحمَّل مسؤولية وزارة كاملة أو إدارة مركزية ، يكذب على مواطن لامدا ، بسيط ، قادته الأقدار إلى مكتبه بعد مشوار عناء ، يسأل عن بعض حقوقه أو عن لفتة من جهة معنية بأمره !؟
هذه أكبر مشكلة تعاني منها السلطات الحين و انعكاساتها الخفية على جميع الأصعدة لا تحصى و لا تعد ..
# الدولة لا تكذب على المواطن..
# الدولة لا تماطل المواطن ..
# الدولة لا تخادع المواطن ..
# الدولة تحمي المواطن و تخفف آلامه و تبحث لكل مشاكله عن حلول و تعتني بصحته و نفسيته و تشعره بأنه محمي .. أنه في وطن رحيم .. أن كل بنية الدولة من أجل حل مشاكله ..
# الدولة يجب أن تكون مهابة . و الهيبة مكانة احترام في النفس ، لا تتم بالتعالي و لا بالغطرسة و لا بالازدراء بالآخرين ..
# الدولة يجب أن تكون ذات أبهة ، في قيافة الموظف في ترتيب مكتبه في نظافة محيطه ، في انضباط فريق عمله ، في صدق وعوده ، في نظافة يده ..
ليس من بيننا بكل تأكيد من هو مسؤول عن هذا الوضع (تماما مثل عدم مسؤوليتنا عن عوامل التعرية و التصحر) ، لكن رئيس الجمهورية مسؤول وحده و معني وحده و قادر وحده و من مصلحته أكثر من الجميع ، أن يعيد إلى الإدارة أخلاقياتها و انضباطها و احترامها و أبهتها و ثقة الناس فيها و هيبة الجميع لها ..
# وحدها أوامر الرئيس و جديته و متابعته من خلال جهاز خاص به ، هي القادرة على القضاء على هذه الظاهرة المشينة ، المدمِّرة لكل بنية الدولة و سمعة النظام ..
هذا الأمر لم يعد يطاق و من يتابعه بتحر و تمعن (بعيدا عن البحث عن عيوب الناس) ، يكاد يجزم أن الكذب أصبح أهم معيار و أهم خبرة ، يتم على أساسها تعيين أي شخصية سامية في البلد !!؟
تذكروا كم كان للمرحوم المختار ولد داداه من أعداء داخل نظامه و خارجه ، لكنه لم يتهم أيا منهم في مذكراته بالكذب ؛ لأن الكذب كان مدمرا لصاحبه و اليوم أصبح مدمرا للمجتمع بأكمله .!!
و أغتنم هذه السانحة لأشيد هنا ، بكل فخر و اعتزاز ، بصدق و احترام و مسؤولية ، كل من عرفتهم من كبار ضباط الجيش و الأمن : لقد كان لذلك بالغ التأثير في نفسي ، فطوبى لهذه المدرسة الوطنية الأصيلة التي ما زالت تقاوم هذا الجموح الغالب ، المنفلت من كل القيود !!
و معذرة لكل من أساءت إليهم الحقيقة و معذرة لكل من أساؤوا إليها !!
.gif)