اتهامات مالي للجزائر وموريتانيا.. شماعة سياسية أم واقع جيوسياسي؟

اثنين, 11/05/2026 - 22:50

تشهد العلاقات بين دول الساحل مرحلة جديدة من الاضطراب، مع عودة سلسلة من الاتهامات المتكررة التي تستهدف أجهزة الاستخبارات الجزائرية. وتُتهم هذه الأجهزة بالسعي إلى إعادة رسم خريطة القوى في شمال مالي عبر تسليح بعض حركات أزواد، بل وحتى عبر استخدام مقاتلين من جبهة البوليساريو كمرتزقة. ورغم أن هذه المزاعم، التي تتداولها غالبًا وسائل إعلام قريبة من الطروحات المغربية، تغذي مناخًا من الشك وعدم الثقة، فإنها تستحق قراءة دقيقة تستند إلى الوقائع وتعقيدات الجغرافيا السياسية في منطقة الساحل.
وقد نددت باماكو رسميًا في عدة مناسبات بما وصفته بـ«التدخل الجزائري»، إلى حد اتهام الجزائر في الأمم المتحدة، في سبتمبر 2025، بأنها «بطلة في دعم الإرهاب». غير أن هذا الميل إلى توجيه الاتهامات ليس جديدًا؛ فمنذ تمردات الطوارق في ستينيات القرن الماضي، مرورًا بسقوط القذافي سنة 2011، ثم سيطرة الجماعات الجهادية على شمال مالي عام 2012، دأبت السلطات المالية على البحث عن أطراف خارجية لتحميلها المسؤولية، سواء موريتانيا أو بوركينا فاسو، وبشكل خاص الجزائر. وقد تعزز هذا الخطاب بعد انقلاب 2020، حيث استخدمت سلطة العقيد عاصمي غويتا خطابًا سياديًا ومعاديًا للخارج للتغطية على عجزها عن احتواء التمرد الجهادي.
وتفسر عدة عوامل موضوعية، مرتبطة بالواقع المالي، هذه المقاربة دون أن تبررها. أولها هشاشة الحدود، إذ يمتد الشريط الحدودي الصحراوي لأكثر من سبعة آلاف كيلومتر، ما يجعل من الصعب إثبات أو نفي أي دعم لوجستي عابر للحدود للجماعات المسلحة. كما أن فشل الوساطة الجزائرية يمثل عاملًا آخر؛ فاتفاق الجزائر لعام 2015 لم يُطبق فعليًا، ما ولّد شعورًا لدى باماكو بأن الجزائر تتعامل بتساهل مع بعض الفصائل. كذلك، تمنح المنافسة الجزائرية المغربية لمالي فرصة لإعادة التموضع جيوسياسيًا، حيث إن اتهام الجزائر يتيح التقارب مع الرباط، كما ظهر في سحب الاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية» في أبريل 2026. وعلى الصعيد الداخلي، يسمح الخطاب المعادي للجزائر بتحويل الأنظار عن الإخفاقات الأمنية والانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والفساد. كما أن مخيمات اللاجئين في الجزائر تضم طوارق انضم بعضهم إلى حركات متمردة، ما يخلق مصدر توتر دائم. ومع ذلك، لم تقدم السلطات المالية حتى الآن أي دليل ملموس يدعم هذه الاتهامات.
 
 
إعادة تشكل جيوسياسي
 
أما الحديث عن تورط موريتاني إلى جانب باماكو عبر «اختراقات جزائرية»، فيبقى مجرد تكهنات، إذ إن نواكشوط والجزائر تعملان على تعزيز تعاونهما، كما تؤكد ذلك اتفاقيات التعاون الـ27 الموقعة بين البلدين في أبريل 2026. فالتوترات الحالية بين موريتانيا ومالي هي نتيجة مباشرة لعدم الاستقرار المزمن، لا لتدخل خارجي. وبالنسبة لجبهة البوليساريو، فإن توظيفها في هذا السياق يندرج ضمن الصراع التقليدي بين المغرب والجزائر، لكن الادعاء باستخدام مقاتلين صحراويين كمرتزقة يفتقر بدوره إلى الأدلة. كما أن التقارب الدبلوماسي الأخير بين مالي والمغرب، والذي اعتبرته الجزائر إهانة سياسية، يجعل من غير المرجح أن تسعى الجزائر في الوقت نفسه إلى زعزعة استقرار مالي عسكريًا بينما تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة معها.
وتشير دراسات جدية، من بينها دراسة لمعهد الدراسات الأمنية نشرت في مارس 2026، إلى أن النفوذ الجزائري في الساحل يشهد تراجعًا واضحًا. فمنذ وصول المجلس العسكري بقيادة عاصمي غويتا إلى السلطة في 2020، اقتربت مالي من روسيا، وابتعدت عن الوساطة الجزائرية، بل أعلنت إنهاء العمل باتفاق الجزائر. وبالتالي، تبدو الجزائر اليوم أقل قدرة على التأثير في ديناميات المنطقة، بدل أن تكون في موقع المبادرة لزعزعة استقرار جيرانها.
وتندرج هذه التوترات ضمن إعادة تشكيل جيوسياسي أوسع أعقبت الانسحاب الغربي من المنطقة. فقد استفادت روسيا من تصاعد العداء لفرنسا، وعبر مجموعة فاغنر ثم «أفريكا كوربس» وفرت دعمًا عسكريًا غير مشروط للأنظمة العسكرية، مقابل امتيازات في مجالات الذهب واليورانيوم وغيرها من الموارد الاستراتيجية. ويُقدَّر عدد العناصر الروسية المنتشرة في مالي بحوالي 3500 عنصر.
في المقابل، تنتهج الإمارات العربية المتحدة استراتيجية نفوذ متعددة الأبعاد، تجمع بين الاستثمارات الكبرى والدبلوماسية النشطة والتعاون الأمني غير المعلن، بهدف بناء ما يشبه «طوقًا اقتصاديًا وعسكريًا» حول الجزائر، التي تُعد منافسها الإقليمي الرئيسي.
أما المغرب، فقد استفاد من عزلة الجزائر لتعزيز حضوره في الساحل. وتهدف «المبادرة الأطلسية» المغربية إلى منح الدول الحبيسة منفذًا نحو المحيط الأطلسي، بما يخفف تبعيتها الجغرافية. كما نسجت الرباط علاقات اقتصادية متينة مع الأنظمة العسكرية في المنطقة، واستثمرت الفراغ الدبلوماسي القائم، كما ظهر في وساطتها التي أفضت إلى إطلاق سراح أربعة فرنسيين كانوا محتجزين في بوركينا فاسو.
أما فرنسا، فقد اضطرت إلى سحب قواتها من مالي عام 2022، ومن بوركينا فاسو والنيجر عام 2023، ثم من السنغال في 2025، فيما شكّل التوتر مع تشاد في نوفمبر 2025 استكمالًا لتراجع حضورها في الفضاء الساحلي الصحراوي. ومع ذلك، فإن باريس لم تتخل عن طموحها في الحفاظ على موطئ قدم في الساحل، سواء عبر الدبلوماسية أو الاستخبارات أو المساعدات الإنسانية أو الشركات العاملة في قطاعي التعدين والطاقة، مع رهان متزايد على النفوذ الثقافي والسياسي.
أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من فقدانها قاعدة أغاديز للطائرات المسيّرة في النيجر، فإنها تواصل تعاونًا براغماتيًا في مجال مكافحة الإرهاب، يقوم أساسًا على تبادل المعلومات الاستخباراتية واستهداف الجماعات الجهادية، دون محاولة تعويض قواعدها العسكرية المفقودة.
 
 
الجزائر في موقع دفاعي
 
بعيدًا عن صورة «التدخل الهجومي»، توحي المعطيات الحالية بأن الجزائر توجد في موقع دفاعي أكثر من كونها في موقع هجومي. فبعد فشل اتفاق الجزائر، وتدهور العلاقات مع مالي، وتصاعد التحركات الدبلوماسية لمنافسيها، تبدو الجزائر منشغلة باحتواء التراجع في نفوذها. ومنذ بداية عام 2026، كثفت الجزائر تحركاتها لإعادة فتح قنوات الحوار، خصوصًا مع النيجر وبوركينا فاسو، حيث مثّلت زيارة رئيس المجلس العسكري النيجري إلى الجزائر في فبراير 2026 مؤشرًا على بداية تهدئة محتملة.
كما تحاول الجزائر استعادة نفوذها عبر البوابة الاقتصادية، من خلال الإعلان عن استثمارات معتبرة، من بينها برنامج بقيمة 88 مليون دولار لتطوير البنى التحتية في قطاعي التعدين والطاقة في بوركينا فاسو.
وفي المحصلة، فإن الاتهامات التي تروج لوجود «مؤامرة جزائرية أو موريتانية» واسعة النطاق، كما تكررها باماكو، لا تستند إلى أي أدلة علنية. ويبدو أنها تُستخدم أساسًا كأداة سياسية وإعلامية من قبل السلطة المالية لصرف الأنظار عن إخفاقاتها الداخلية وتعزيز خطابها السيادي. كما أن غياب الأدلة، إلى جانب التراجع الفعلي للنفوذ الجزائري، يقللان من مصداقية هذه الاتهامات. فالتحديات الحقيقية التي تواجه الساحل — من عدم الاستقرار المزمن إلى الإرهاب وصراع النفوذ الدولي — أكثر تعقيدًا وخطورة بكثير. ومن ثم، فإن أولوية استقرار المنطقة لا تكمن في البحث عن «كبش فداء»، بل في بناء تعاون إقليمي صادق لمواجهة تهديدات مشتركة وواقعية.
 
سيد محمد بيبكر
عقيد متقاعد