سقوط الأقنعة: شحنة الإسمنت الجزائري تهزّ عرش الاحتكار وتفتح ملف الجشع ورداءة المعايير/ سيدنا ولد السبتي

ثلاثاء, 30/06/2026 - 04:06

لم تكن شحنة الإسمنت القادمة من الجزائر الشقيقة مجرد شحنة تجارية فقط، ولا مجرد إضافة عابرة إلى معروض السوق، بل كانت حدثا اقتصادياً وسياسيا بامتياز؛ هزأركان منظومة ظلت لسنوات طويلة تتحصن بأسوار الاحتكار، وتستتر خلف شعارات براقة، وتفرض على المواطن واقعا لم يكن يملك حياله إلا التسليم والإذعان. وما إن دخلت أولى الشحنات إلى الأسواق حتى تهاوت الروايات التي ظل أصحاب المصالح يرددونها، حتى حسبها الناس حقائق لا يأتيها الباطل، فإذا بها تتبدد أمام أول اختبار حقيقي للمنافسة.

 

لقد آن الأوان ليقال ما كان الناس يهمسون به في المجالس، وأن يطرح السؤال الذي طال الهروب منه: كيف تحولت سلعة يفترض أن تكون ركيزة العمران والتنمية إلى وسيلة لاستنزاف المواطن، وباب واسع للاحتكار والجشع، وأداة لفرض أسعار لا يسندها منطق اقتصادي ولا تبررها كلفة الإنتاج؟

 

لقد رفع المحتكرون شعار حماية المنتج الوطني حتى كاد يتحول إلى نص مقدس لا يجوز الاقتراب منه، بينما كانت الحقيقة أن هذا الشعار استعمل درعا لحماية الامتيازات، لا لحماية الوطن، وسيفا مسلطا على رقاب المستهلكين، لا على الاختلالات التي نخرت هذا القطاع الحيوي. فالوطنية ليست أن يحرم المواطن من حقه في المنافسة، وليست أن يغلق باب الاستيراد حتى تبقى السوق رهينة إرادة قلة تحتكر المادة والسعر والقرار، وإنما الوطنية أن يكون المنتج المحلي قادرا على المنافسة بجودته قبل شعاراته، وبسعره قبل خطابه، وبالتزامه بالمواصفات قبل مطالبته بالحماية.

 

إن أخطر ما كشفته هذه الشحنة ليس فارق السعر وحده، وإنما إعادتها إلى الواجهة ملفا أكثر حساسية، هو ملف جودة الإسمنت المنتج محليا، وهو الملف الذي ظل يلفه صمت ثقيل، حتى أصبح مجرد الحديث عنه يعد من المحرمات الاقتصادية.

 

تواترت شكاوى المقاولين والمهندسين والمواطنين حول تفاوت جودة الإسمنت المحلي، واختلاف خصائصه من دفعة إلى أخرى، بما يثير علامات استفهام لا يجوز تجاهلها. وليس المطلوب من أحد أن يصدق الشائعات أو يسلم بالاتهامات، وإنما المطلوب أن تقوم الجهات المختصة بواجبها في الرقابة الصارمة، وأن تخضع جميع المصانع لفحوص دورية معلنة، وأن تكون نتائجها متاحة للرأي العام؛ لأن الثقة لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالشفافية.

 

إن الإسمنت ليس سلعة كمالية يمكن التساهل في معاييرها، بل هو أساس البيوت، وعماد المدارس، وسند المستشفيات، وقوام الجسور، وكل خلل في مواصفاته قد تتحول آثاره إلى كوارث لا ينفع معها الندم. ولذلك فإن التساهل في جودة الإسمنت ليس مجرد مخالفة تجارية، بل هو استهانة بأمن المجتمع وسلامة العمران.

 

ومن حق المواطن الذي ينفق حصيلة سنوات من الكد ليبني منزلا يأويه وأبناءه، أن يحصل على منتج يطمئن إلى صلابته، لا أن يعيش أسير القلق والشك، يتساءل في كل مرة: هل ما بنيته سيصمد أمام الزمن، أم أن جشع بعض التجار كان أقوى من ضمائرهم؟

 

أكذوبة الأسعار... حين يصبح الأغلى هو الأقل تنافسية

 

ولعل المفارقة التي لا تستقيم مع أبسط قواعد الاقتصاد أن موريتانيا، وهي دولة تمتلك واجهة بحرية واسعة، وموانئ تستقبل السفن القادمة من مختلف أنحاء العالم، ما تزال تسجل واحدة من أعلى أسعار الإسمنت في الإقليم.

 

فالطن يباع في السوق المحلية بما يتراوح بين 60 و62 ألف أوقية قديمة، وقد يقفز في بعض ولايات الداخل إلى أكثر من 80 ألف أوقية، بينما تنخفض الأسعار بصورة لافتة في معظم دول الجوار:

 

· السنغال: نحو 36,500 أوقية قديمة للطن.

· المغرب ومصر: حدود 21 ألف أوقية.

· الجزائر: حدود 18 ألف أوقية.

· ليبيا: لا يتجاوز 12 ألف أوقية.

 

وهنا تقف الأرقام شاهدة، لا تعرف المجاملة ولا تنحاز لأحد، لأنها لغة الحقائق التي لا يستطيع أحد تزويرها.

 

غير أن المفارقة التي تبلغ حد الإدهاش تتمثل في جمهورية مالي، الدولة الحبيسة التي لا تمتلك منفذا بحريا، وتعاني أوضاعا أمنية معقدة، وترتفع فيها تكاليف النقل والإمداد، ومع ذلك يتراوح سعر الطن فيها بين 55 ألفا و67,500 أوقية قديمة، أي إنه يوازي السعر الموريتاني أو يقل عنه.

 

فإذا كان بلد محاصر بالجغرافيا والتحديات الأمنية يستطيع أن يطرح الإسمنت بهذه الأسعار، فبأي منطق اقتصادي يباع الإسمنت في موريتانيا، ذات الموانئ المفتوحة، بأثمان أعلى؟

 

إن السؤال مشروع، والإجابة لا يجوز أن تبقى رهينة مصالح المحتكرين.

 

ورقة التشغيل... آخر ما يتدثر به المحتكر

وكلما ضاقت الحلقة على أصحاب المصانع، أشهروا ورقة التشغيل، مدعين أنهم يوفرون آلاف الوظائف، وكأن المواطن مطالب بأن يقبل أي سعر وأي جودة وأي احتكار، مقابل هذا الادعاء.

 

إن تشغيل المواطنين هدف نبيل لا يختلف عليه اثنان، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى حصانة أبدية ضد المنافسة، ولا إلى رخصة مفتوحة لفرض الأسعار كيفما شاء أصحاب النفوذ.

 

ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كم نسبة العمالة الوطنية الحقيقية داخل هذه المصانع؟ وكم نصيب الكفاءات الموريتانية من الوظائف الفنية والإدارية؟ وكم من الأرباح يعاد استثماره داخل الاقتصاد الوطني؟ إنها أسئلة تستحق إجابات واضحة، لأن الوطنية لا تقاس بعدد البيانات الصحفية، وإنما بما يعود بالنفع على أبناء الوطن.

 

الاحتكار... حين تتحول السوق إلى إقطاعية

 

إن أخطر ما يواجه أي اقتصاد ليس قلة الإنتاج، وإنما تغول الاحتكار؛ لأن المحتكر لا يبيع سلعة فحسب، بل يبيع المواطن حقه في الاختيار، ويصادر المنافسة، ويقتل روح التطوير، ويجعل السوق إقطاعية مغلقة لا مكان فيها إلا لمن يملك النفوذ.

 

والتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن كل احتكار ينتهي إلى نتيجتين لا ثالث لهما: ارتفاع الأسعار، وتراجع الجودة.

 

ولهذا فإن فتح باب المنافسة ليس حربا على المستثمر الوطني، بل هو إنقاذ له من التراخي، ودفع له نحو التطوير؛ لأن الصناعة التي لا تستطيع الصمود أمام المنافسة، لا تستطيع أن تبني اقتصاداً قويا.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة، لا بوصفها حكما بين طرفين متخاصمين، وإنما بوصفها الحارس الأول للمصلحة العامة.

 

ومن ثم فإن الواجب يقتضي فتح السوق أمام المنافسة المشروعة، وتفعيل أجهزة الرقابة والمقاييس، وإجراء اختبارات دورية مستقلة على جميع أنواع الإسمنت المتداول، وإعلان نتائجها بكل شفافية، حتى يعلم المواطن ما يشتري، ويطمئن إلى أن بيته لا يقوم على مادة مجهولة المعايير.

كما أن من واجب الدولة أن تمنع أي ممارسات احتكارية، وأن تجعل من حماية المستهلك أولوية لا تقل شأنا عن تشجيع الاستثمار؛ لأن الاستثمار الذي يقوم على الاحتكار ليس استثمارا، بل امتياز يمنح لقلة على حساب شعب بأكمله.

لقد جاءت شحنة الإسمنت الجزائري لتكسر حاجز الصمت، وتعيد النقاش إلى أصله، وتؤكد أن السوق لا تستقيم إلا بالمنافسة، وأن الأسعار لا تعتدل إلا حين تسقط الاحتكارات، وأن الجودة لا تتحقق إلا حين يخضع الجميع لميزان واحد، لا يفرق بين مستورد ومحلي إلا بمقدار ما يقدمه كل منهما من جودة وعدالة.

 

ولعل هذه الشحنة ستكون، إن أُحسن استثمارها، بداية عهد جديد، يسقط فيه سلطان الاحتكار، وتسترد فيه السوق عافيتها، ويستعيد المواطن حقه في سلعة جيدة، وسعر عادل، ورقابة لا تعرف المجاملة؛ لأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالعدل والشفافية وسيادة القانون.

 

سيدنا ولد السبتي.