
تشكل الذكرى السابعة لتنصيب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، محطة وطنية للتأمل في مسار الإصلاح الذي شهدته موريتانيا خلال السنوات الماضية، واستحضار ما تحقق من إنجازات في مجالات التنمية البشرية، والعدالة الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب، واللامركزية والتنمية المحلية، وتطوير التعليم العالي والبحث العلمي. فبناء الدول الحديثة لا يقاس فقط بحجم المشاريع والبنى التحتية، وإنما بقدرتها على الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية والضامن لاستدامة التنمية.
لقد اتسمت الرؤية التنموية خلال هذه المرحلة بالشمول والتوازن، حيث ارتكزت على جعل الإنسان محور السياسات العمومية وغاية التنمية، من خلال اعتماد مقاربة تنموية تجمع بين تعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، والاستثمار في رأس المال البشري، إلى جانب ترسيخ اللامركزية باعتبارها مدخلًا لتحقيق التنمية المحلية والعدالة المجالية. وقد تجسد ذلك في حزمة من الإصلاحات والبرامج التي استهدفت تطوير التعليم، وتمكين المرأة والشباب، والارتقاء بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي، وتعزيز التنمية المحلية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، بما يعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى بناء دولة حديثة قوامها الكفاءة والإنصاف والاستدامة.
وفي هذا السياق، برزت المدرسة الجمهورية باعتبارها مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة والوحدة الوطنية، وتكريس المساواة بين جميع أبناء الوطن في الحق في تعليم جيد. كما شكل برنامج الداخلي للمدرسة خطوة عملية لتقريب التعليم من أبناء المناطق الريفية والداخلية، والحد من الفوارق المجالية، بما يعزز العدالة التعليمية ويمنح الجميع فرصًا متكافئة للنجاح.
أما على صعيد تمكين المرأة، فقد شهدت السنوات السبع الماضية اهتمامًا متزايدًا بتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، وتشجيع مشاركتها في مواقع صنع القرار، ودعم المبادرات الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف تعزيز استقلاليتها. ولم يعد تمكين المرأة مجرد شعار، بل أصبح خيارًا تنمويًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، انطلاقًا من أن مشاركة المرأة في الاقتصاد والإدارة والبحث العلمي والسياسات العمومية تعد ركيزة أساسية للنمو والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بفئة الشباب، باعتبارها القوة الديموغرافية الأكثر تأثيرًا في حاضر البلاد ومستقبلها. وقد تجسد ذلك في دعم برامج التكوين والتشغيل وريادة الأعمال، وتشجيع الابتكار، وفتح آفاق أوسع أمام المبادرات الشبابية، بما يسهم في تحويل الطاقات الشابة إلى قوة إنتاج وإبداع، وتعزيز مساهمتها في التنمية الوطنية.
وشكلت اللامركزية والتنمية المحلية أحد أهم محاور الإصلاح خلال هذه المرحلة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن التنمية الشاملة لا تكتمل إلا بتنمية الأقاليم وتمكين الجماعات الإقليمية من الاضطلاع بأدوارها التنموية. وقد اتجهت الدولة إلى دعم البلديات والجهات، وتعزيز الحكامة المحلية، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يكرس العدالة المجالية ويحد من التفاوتات التنموية بين مختلف مناطق الوطن. كما أسهمت هذه المقاربة في ترسيخ مبادئ الديمقراطية التشاركية، وتقريب الإدارة من المواطن، وتعزيز فعالية السياسات العمومية على المستوى المحلي، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ومتطلبات الحكامة الرشيدة.
ويعد التعليم العالي والبحث العلمي من أهم مرتكزات بناء اقتصاد المعرفة، إذ لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون جامعات قوية، ومراكز بحث فاعلة، وكفاءات علمية قادرة على إنتاج المعرفة وتقديم الحلول للتحديات الوطنية. وخلال هذه المرحلة، تزايد الاهتمام بتطوير مؤسسات التعليم العالي، وتحسين جودة التكوين، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز الشراكات الأكاديمية، بما ينسجم مع متطلبات التنمية الوطنية والتحولات العالمية.
إن الجامعة اليوم ليست مؤسسة لتخريج الكفاءات فحسب، بل هي فضاء لإنتاج الأفكار وصناعة السياسات العامة. كما أن ربط البحث العلمي بقضايا التنمية، مثل التحول الرقمي، والأمن الغذائي، والحكامة، وتمكين المرأة، والتنمية المحلية، يمثل ركيزة أساسية لإنتاج سياسات عمومية تستند إلى المعرفة وتستجيب لاحتياجات المجتمع.
ومن منظور سياسي، اتسمت السنوات السبع الماضية بالحفاظ على مناخ من الاستقرار والانفتاح والحوار، وهو ما وفر بيئة ملائمة لتنفيذ الإصلاحات وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. ويعد الاستقرار السياسي ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي، إذ لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في غياب الأمن والاستقرار والمؤسسات القوية.
ولا شك أن التحديات ما تزال قائمة، شأنها شأن جميع الدول الساعية إلى تحقيق التنمية الشاملة، غير أن ما تحقق خلال هذه المرحلة يعكس إرادة سياسية واضحة لمواصلة الإصلاح، وتعزيز الحكامة، وتوسيع دائرة المشاركة، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
إن حصيلة سبع سنوات من العمل تؤكد أن الاستثمار في الإنسان، وتمكين المرأة، ورعاية الشباب، وتعزيز اللامركزية والتنمية المحلية، وتطوير التعليم العالي والبحث العلمي، تمثل ركائز استراتيجية لمشروع وطني متكامل يهدف إلى بناء موريتانيا حديثة، عادلة، ومزدهرة. وهي ركائز تعكس رؤية تنموية تجعل من الإنسان محورًا للتنمية، ومن الحكامة الرشيدة والعدالة المجالية أساسًا لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهار.
الدكتورة منى بتت الصيام أستاذة جامعية بجامعة نواكشوط
.gif)


